الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

لماذا سبع عجاف ياعراق؟

لماذا سبع عجاف يا عراق؟

 

كفاح محمود كريم

 

     تحدثنا في اكثر من مقال عن محاولات الاختراق التي تقوم بها تنظيمات حزب السلطة في النظام السابق او مؤيديه ومرتزقته وعملائه من خلال الاندساس في الاحزاب الوطنية التي قارعته طيلة ما يقرب من اربعين عاما وتسبب هو وميليشياته المعروفة من ايام الحرس القومي ومنظمة سيف ومكتب العلاقات العامة ( المخابرات فيما بعد ) والجيش الشعبي وفدائيو  صدام وغيرهم في قتل مئات الآلاف من منتسبي تلك الاحزاب ومؤيديها سواء على ايديهم مباشرة او من خلال اجهزة الامن والجيش ومؤسساتها وعملائها، وما حصل في اقليم كردستان منذ آذار 1975م وحتى انتفاضة الربيع في آذار 1991م من جرائم يندى لها جبين الانسانية والحضارة ومثلها ما حصل في الجنوب والاهوار والرمادي والموصل وكل مدن العراق وقراه.

 

     واذا كانت بعض تلك الخروقات مبررة بعد السقوط مباشرة كون ان اصحابها قد تابوا او كانوا من المغرر بهم او انتموا وظيفيا او ممن لم يفوزوا في انتخابات حزب السلطة قبل السقوط فخفضت درجاتهم الحزبية القيادية الى العضوية فقط ولم تشملهم قوانين الاجتثاث، او ممن عوقبوا ايام النظام السابق لجرائم تتعلق بالاختلاس والسرقة او غيرها من الجرائم المخلة بالشرف فتحولوا بقدرة قادر الى سجناء سياسيين وتم اعتمادهم في كثير من المواقع على ذلك الادعاء!؟ لأسباب لا يعرفها الا الراسخون في العلم من قيادات احزابنا الوطنية وتنافساتها الانتخابية التي تخلط الحابل بالنابل للوصول الى دفة الحكم!؟

 

    قلت اذا كانت بعض تلك الخروقات مبررة بسبب التنافس الحزبي او الطائفي او العرقي او التضامن ومنح فرصة الطيران ثانية على خلفية عفا الله عما سلف، في اول مرحلة تأسيس نظامنا الجديد، او حتى لربما ان البعض اعتقد ان هذه المجموعات ستكون خط رجعة و ( تزكية ) فيما لا سامح الله قررت العمة امريكا اعادة الرفاق الى احدى عربات قطار الحرية والديمقراطية بثوب جديد، خصوصا واننا ما زلنا نتذكر ذات العربات التي حملت رفاق شباط 1963م الى الحكم!؟

    اذاً فما بالكم اليوم بمجاميع تم ترحيلهم الى الدورة الجديدة لمجلس النواب لكي تمثل نتاج تربية خمسا وثلاثون عاما من ثقافة وسلوك الفكر البعثي  ومنفذي ودعاة ومؤيدي وربيبي مدارس البعث والانفال والقبور الجماعية واعدامات الجملة  في عراق ما قبل نيسان 2003م ولكي يكونوا بناة العراق الجديد وحماة دستوره والساهرين على تحقيق اهدافه وبرامجه في التغيير والاعمار(!؟) مجاميع ولدت وترعرعت في أكناف البعث ومدارسه ومؤسساته ومنظماته وتشربت بثقافته وسلوكياته وطريقة تفكيره ونظرته لما حوله والتعامل معه، حتى لتكاد أن تصدق من شدة تأثرها بفكرهم بأنها واحدة من إسقاطات رئيس النظام السابق وهو يصفهم بأنهم بعثيون وان لم ينتمو،  فكيف إذا كانوا اليوم يزايدون على قيادات البعث وطروحاتهم في ما يتعلق بتلك السياسة ونتائجها على الارض والاهالي والتي غدت واحدة من المعضلات التي تواجه الحاكمين اليوم في ما يتعلق بتطبيقات الدستور والاصلاح السياسي والاقتصادي والمالي والاداري وحل اشكاليات النفط والغاز وتوزيع الثروة والاقاليم وغيرها.

 

    خصوصا إذا ما عرفنا انه لا وازع أو مانع للبعث يمنعه من الوصول إلى السلطة مهما كان، فهو يوظف ويستثمر كل الوسائل بميكافيلية لا مثيل لها من اجل تحقيق اهدافه حتى وان تطلب الامر التعاون مع الشياطين، وقد اثبتت الاحداث والحقائق تعاونه وتعامله مع الاضداد وتنصله من الاتفاقيات والمعاهدات لغرض تنفيذ مآربه، ولعل تاريخه القريب ومواقفه مع القوى الوطنية ودول الجوار منذ اتفاقية آذار 1970م وتنصله منها وحتى توقيعه اتفاقية آذار 1975م مع ايران التي تنازل بموجبها عن كثير من الارض والمياه العراقية لإيران مقابل تعاون ايران معه لسحق الثورة الكردية، ومن ثم الانقلاب على ايران وتنصله عن تلك الاتفاقية وما حصل عقب ذلك من كوارث ومآسي التي تكررت هي الأخرى في نتيجة سلوكه مع دول الجوار العربية في الكويت والسعودية.

 

     وربما لو نظر كل منا بدقة وتمحيص الى مرشحي قريته او مدينته الى مجلس النواب، لأدرك حقيقة المأساة التي نمر بها ولعرفنا اسباب ما يجري في البلاد منذ عام 2005م ولحد اليوم وربما لأربع سنوات آتيات، واذا ما استثنينا الشرفاء الاصلاء من المناضلين والوطنيين الأحرار الذين وصلوا الى مجلس النواب او غيره من مؤسسات العراق الجديد والقينا نظرة سريعة على السير الذاتية لأولئك الذين اوصلتهم عربات الفساد والإفساد لظهر لنا مدى الاختراق والاندساس في نظامنا الجديد من خلال حلقات ادارية او حزبية ضعيفة او متهرئة وفاسدة، او من خلال صراعات طائفية وقبلية وعشائرية وعرقية معينة استخدمها هؤلاء للوصول الى منافذ مهمة للدولة الجديدة، وبقراءة سريعة لماضيهم يتضح لنا لماذا تحول العراق الى أفشل دولة وأفسد نظام والى دوامة او نافورة للعنف والارهاب والفساد والافساد خلال السنوات السبع الماضية والسنوات القادمة من خلال هؤلاء المندسين دستوريا وتشريعيا!؟

 

    وسندرك من خلال نماذجهم اجوبة لكل التساؤلات المريرة للأهالي في ما يتعلق بالمال العام والاعمار والخدمات والأمن والسلم الاجتماعي واضعين نصب أعيننا ذلك العهد والتهديد الذي قطعه رئيسهم أمام الملايين من العراقيين والعالم بأنهم سيجعلون العراق حفنة من تراب لو ازيحوا عن السلطة، وهذا ما يجري منذ سبع سنوات عجاف بينما يضع زعمائنا الجدد رؤوسهم في الرمال الدافئة أو يرفعوها من اجل المناصب والتنافس على السلطة لتندس سلالات البعث وفايروساته الى جسد العراق الجديد ومؤسساته وتفعل فعلتها في إحالته الى حفنة من تراب!؟  

 

kmkinfo@gmail.com

 

السبت، 21 أغسطس 2010

الثرثرة وحبل المشنقة؟

الثرثرة وحبل المشنقة؟

 

كفاح محمود كريم



    ذكرني جهاد الخازن في مقال له وهو يتحدث عن الثرثرة والهذر على صفحات جريدة الحياة قبل ايام عديدة ( الصمت أسلم من الهذر )*، بقصة رجل اعدم في صيف عام 1989م بسبب تعرضه لذات الدكتاتور العراقي صدام حسين بالشتيمة والسب في العاصمة اربيل، حيث كان يحتسي الخمر في احد نواديها الليلية مبتدأً بالتهكم والسخرية من سلوك الدكتاتور حتى بلغ الكأس الثالث أو الرابع فأدرك السباب والشتيمة وهو سكران ثمل!؟ 

   لم يمض على استدعائه اكثر من ثلاثة ايام لترسل جثته هامدة ملونة من شدة التعذيب الى ذويه!؟

 

   ومن اقليم كردستان العراق الى وسطه في مدينة الحلة وقبل حادثة صاحبنا في اربيل بعشر سنوات تقريبا أي في شتاء 1979م تذكرت شخصا آخر وكان محاميا خمارا حينما يخرج من احد النوادي ثملا الى الشارع تواجهه صورة كبيرة لصدام حسين، فيقترب منها ليتبول على جدارها العالي رافعا رأسه ومخاطبا صاحبها ساخرا ومتهكما، حتى ادركه رفاق العقيدة ليقودوه ( بالجلاليق والكفخات ) الى اقرب مقر من مقراتهم ويختفي سنوات طويلة ليخرج فاقدا عقله بالتمام والكمال هائما بين الطرقات وهو ما يزال يخاطب صاحب الصورة في الازقة والشوارع كلما رأى جدارية كبيرة قائل: ما خاف منك حتى لو صرت محافظ الفوار*؟

 

     وأعود بالذاكرة قليلا الى الوراء السياسي العراقي المؤلم في حادثة بائسة مضحكة مبكية من حوادث ما حصل بعد فشل محاولة العقيد عبدالوهاب الشواف الانقلابية في الموصل ضد الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959م، وحالة الفلتان التي اجتاحت المدينة واختلط فيها الحابل بالنابل، ومن بين ما حصل كانت هناك جثة مرمية على قارعة الطريق ويبدو انها لضابط كبير من المشتركين بـ ( المؤامرة )، فجأة جاء رجل فضولي من العامة وبدأ يركل الجثة ويشتم صاحبها قائلا: هذه نهاية الخونة!؟*

 

    بعد اقل من اربع سنوات اي بعد انقلاب عبدالسلام عارف واستحواذ  البعثيين على مفاصل مهمة من الحكم، القي القبض على هذا الفضولي  لتقديمه الى محاكمة لم تدم اكثر من ساعات فيحكم بالاعدام رميا بالرصاص كونه كان جنديا، وقد تبين فيما بعد انه من مراتب ذلك الضابط القتيل الذي عرف بتشدده العسكري ولا علاقة له بأي شكل من الاشكال لا بالضابط ولا بالحاكمين آنذاك؟

 

     واذكر من السجالات الاوربية واحدة من اطرف ما سجلته لنا الذاكرة السياسية في اروقة البرلمان، ففي ايطاليا كان هناك دوما صراع او تنافس بين الحزب الشيوعي الايطالي والحزب الديمقراطي المسيحي، وفي واحدة من سجالاتهم، مرَ رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي من امام رئيس الحزب الشيوعي ولم يبادره بالسلام فقاله له الآخر معاتبا لماذا لا تسلم فرد عليه قائلا: انا لا اسلم على الحقراء!؟

    فسلم رئيس الحزب الشيوعي عليه مباشرة وصافحه رغم ذلك قائلا له: لكنني يا عزيزي مورو انا اسلم عليهم بحرارة!؟

 

    ورغم ان البعض يعتبر هذا النوع من النقد وسيلة من الوسائل للتشهير بالنظام ورموزه واعتباره اسلوبا دعائيا واعلاميا كما يحصل في كثير من الدول الديمقراطية العريقة حيث يستخدمون في كثير من الاحيان الشتائم والتشهير بالانظمة والاشخاص من خلال اغانيهم او شعاراتهم او هتافاتهم، الا ان السؤال يبقى في بلادنا وحتى يومنا هذا هو ما مدى صلاحية هذا الاسلوب في مجتمعاتنا وطبيعة تكوينها النفسي والقيمي!؟  

 

 

ثرثرة وهذر تقود الى حبل المشنقة!

 

      مابين الشتيمة والادعاء الكاذب تفصل الرأس عن الجسد في ظل نظام دكتاتوري ظالم، وبصرف النظر عن مشروعية ما حصل في الحوادث الثلاث من قبل النظام الحاكم إلا أن اسئلة مهمة تطوف دائما مع هكذا أحداث:

 

     ترى هل ان الشتائم والقذف والثرثرة الفارغة تعبر عن موقف سياسي سليم، او نمط واسلوب من اساليب معارضة النظام، سواء كان صاحبها صاح او سكران او مبرمج كما حصل لصاحبنا في اربيل والآخر في الحلة؟

 

   وهل أن الكثير من تصريحات سياسيينا الجدد وفنتازياتهم وبالذات تلك التي تلغي الآخر او تهمشه وتشيع الكراهية والبغضاء وتبرر الارهاب والقتل والتطهير، تقع تحت طائلة الثرثرة السياسية والهذر الساذج أم أنها فعلا تعبر عن أفكارهم وآرائهم التي سيحكمون بها البلاد!؟

 

   واذا كان النظام قد اعدم او اتلف من شتم شخص رئيسه، فما عقوبة من يتسبب في ثرثرته وتصريحاته في إشاعة كراهية شعب او عرق او مذهب او دين في بلاد تكونت اساسا من هذا الفسيفساء!؟


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


* مقال الكاتب جهاد الخازن:عيون وآذان (الصمت أسلم من الهذر) في جريدة الحياة اللندنية

السبت 03 يوليو 2010

* الفوار: قرية تقع الى الجنوب الشرقي من مدينة الديوانية وكانت يومها مركزا لتجمع الغجر (الكاولية ).

* احداث 10 آذار 1959م بعد فشل محاولة الشواف الانقلابية في الموصل.

 

 kmkinfo@gmail.com

الخميس، 19 أغسطس 2010

البعث وسنوات العراق العجاف

  البعث وسنوات العراق العجاف

 

   كفاح محمود كريم

 

 

    في العقد الأخير من حكم النظام العراقي السابق تجلت أساسيات وآليات مهمة في أدوات حكم الدكتاتور صدام حسين وحزبه الذي أعاد تشكيله الفكري والهيكلي بعد نجاحه في انقلاب تموز 1979م على الرئيس الأسبق احمد حسن البكر وتصفية المئات من رفاقه في القيادتين القطرية والقومية ومجلس قيادة الثورة وفروع الحزب باتهامهم بالخيانة العظمى والتعامل مع دولة أجنبية ( سوريا )، لكي يبدأ برنامجا فكريا وسياسيا وسلوكيا ادركناه جميعا ورأينا تناقضاته وميكافيليته والمأسي التي انتجها وما يزال حتى يومنا هذا.

 

   ولعلنا نتذكر قبل ولوج العقد الأخير كيف كان هذا النظام يعتمد أو ينمي شرائح منتقاة من المجتمع ويعمل على تكثيفها وتطويرها وتقريبها لكي تصبح جزء من النظام ومؤسساته، فقد اعتمد في النصف الثاني من السبعينات على مجاميع من المقاولين ورجال الأعمال ( ومعظمهم من كبار الضباط والموظفين الذين احالهم على التقاعد لأشغالهم وربطهم بعجلته ومنعهم من القيام بأي نشاط معادٍ له)، ومن ثم في عقد الثمانينات من القرن الماضي على فئة العسكر وتحديدا الضباط ومن تم صنعهم بتلك الدرجة بمواصفات حزبية أو مهنية كما في شريحة ضباط ما كان يعرف بــ ( الموس أو النائب ضابط حربي ) أو ضباط عضو الفرقة ومعظمهم كانوا من مراتب الجيش والشرطة ( عرفاء ورؤساء عرفاء ونواب ضباط ومفوضين ) إما ضباطا يستخدمون في الاستخبارات العسكرية أو أجهزة الأمن أو مسؤولي التوجيه السياسي في وحدات الجيش، وقد تم استخدامهم مع مجاميع من الضباط الصغار بشكل انتقائي في اختراق المؤسسة العسكرية التي بدأوا بتحويلها الى جيش مؤدلج ( عقائدي ) تدريجيا ومن ثم الانقلاب عليها وتصفيتها لصالحهم وهذا ما حدث فعلا خلال عشر سنوات تقريبا أي من تموز 1969م ولغاية عشية الحرب العراقية الإيرانية، وكذا فعل باجهزة قوى الامن الداخلي سواء في الشرطة او الامن والمخابرات الوطنية، حيث تم اختراقها من خلال منتسبين ومفوضين تمت ترقيتهم الى ضباط شرطة وامن ومخابرات على خلفية درجاتهم الحزبية وولاء عشائرهم.

 

    بعد حرب الخليج الأولى بدأ نجم الضباط يتهاوى وبالذات بعد هزيمة أم المعارك التي قادتها الولايات المتحدة ومعظم دول الجامعة العربية وفي مقدمتهم الدول الثمانية ( دول الخليج + سوريا ومصر ) إضافة إلى المملكة المغربية، حيث انكفأ هذا المكون المهم في الجيش والمجتمع إلى موظف هامشي وصل في أواخر سنوات الحصار إلى أن يعمل سائق تاكسي ليسد رمق عائلته. في تلك الفترة كان النظام قد اعد الخطة لاستبدال تلك الشريحة بشريحة أخرى تحل محلها وتتمتع بامتيازاتها، بعد أن أدرك مدى إفلاسه وضآلته بين مفاصل المجتمع والأهالي، خصوصا وقد خرجت خلال اقل من شهر أكثر من عشر محافظات من تحت سيطرته بعد هزيمته النكراء في حرب الكويت، حيث بدأ بالتقرب من العشائر وشيوخها واستبدال منظومته الفكرية والسلوكية بما يتوافق ونهج تلك المرحلة ومن ثم الارتكاز على العشائر ومكوناتهم الاجتماعية من خلال فتح دائرة مهمة في ديوان الرئاسة متخصصة بشؤون العشائر وشيوخها وامتيازاتهم ومعاشاتهم واستبدال الشيوخ وتصنيفهم وتصنيع أجيال وموديلات جديدة منهم؟

 

   وبعد أن انجز النظام مجاميع واجيال محدثة من ( شيوخ التسعينات )* وهذه التسمية اطلقها الشارع العراقي انذاك في توصيفه لتلك المجاميع من الشيوخ ذوي الموديلات ذات المواصفات المطلوبة من النظام ( وهي بالتأكيد تختلف عن موديلات 2003م وما تلاها حتى ظهور الاجيال المعدلة والمطورة جدا في الانتخابات العامة للدورتين 2005م و 2010م !؟ )، التفت صدام حسين منتصف هذا العقد ( التسعينات ) الى القيادات الحزبية في الفرق والشعب والفروع والمكاتب وامتيازاتها المادية والمعنوية حيث حلت خلال فترة وجيزة محل شريحة الضباط وأصبحت أكثر وحشية في ولائها للقائد وحزبه من خلال تلك الامتيازات المالية*.

 

    كانت هاتان الشريحتان وثالثتهما المقاولون في سبعينيات القرن الماضي ثلاثيات البعث وفنتازياته الميكافيلية في تقريب وإبعاد الحلفاء والمكونات الاجتماعية، حتى جاءت مرحلة ما بعد عام 2000م التي أيقن فيها صدام حسين بأنه سيُضرب لا محالة من قبل التحالف الدولي لتجاوزه الخطوط الحمراء، فعمل من اجل بناء ثلاثية أخرى ربما تديم مواصلته أو تعينه على إبقاء العراق ضمن سيطرته وسيطرة حزبه، وهذا ما بدأ النظام ومؤسساته في العمل عليه بداية في الاتصالات السرية الدقيقة مع قوى القاعدة النائمة في العراق والحاضنة له من تنظيمات وتجمعات ما اطلق هو نفسه عليهم تسمية ( الوهابية والسلفية )* وبالذات مع أولئك الذين تعامل معهم أيام غزوه للكويت أو الذين تعاونوا معه ممن كان يطلق عليهم ( البدون ) بعد تحريرها.

 

    لقد كانت هناك أقسام مهمة في غاية السرية والكتمان من ضمن أجهزة المخابرات العراقية، تمد قنواتها باتجاه القاعدة ومنظماتها سواء في أفغانستان أو إقليميا في المنطقة العربية أو إيران، ثم تطور ذلك أكثر إلى خلاياها في أوربا وأمريكا، كما سربت بعض وسائل الإعلام الأمريكية بعد حوادث 11 سبتمبر، حيث كان النظام يخطط مع منظماته الحزبية والإعلامية خارج العراق، وتحديدا في دول مثل اليمن وليبيا والجزائر والى حد ما تونس والعمال المصريين في أوربا والدول العربية، وبالذات بعد عام 2000م على اختراقهم إعلاميا وتنظيمهم في ايهامات جهادية مدفوعة الأجر والمعاش في ( الدنيا والآخرة ) لتهيئتهم لمهام مستقبلية غير بعيدة في العراق أو غيره من الساحات، بعد أن أيقن النظام ورأسه من إصرار الحلفاء على إسقاطهم وإنهاء حكمهم، إضافة الى شريحة أخرى بل ورقة أخرى كانت بيد النظام ورئيسه وهي شريحة المجرمين في السجون العراقية ( وهم بحدود الـ  300000 ) سجين، فيهم من عتاة الاجرام في القتل والسرقة والاغتصاب وزنا المحارم وغيرها، إضافة الى إن البعض من دول الجوار التي كانت تحتجز المئات ممن يسمون بمتجاوزي الحدود في كل من الأردن ولبنان وسوريا، إضافة الى المحكومين بتهريب الأسلحة والمخدرات، والذين أطلق سراحهم عشية الاحتلال الأمريكي للعراق مقابل تعهدهم بالعمل كمقاومين ومجاهدين لقوات الاحتلال الأمريكي من قبل سلطات إحدى تلك الدول، وفعلا وصل الكثير من هذه المجاميع الى الحدود العراقية السورية وتم إدخالهم الى العراق من قبل مخابرات تلك الدولة.

 

  لقد تم استثمار وتوظيف كل ذلك من خلال الخزين المالي الذي يتجاوز عشرات المليارات من الاموال المستثمرة خارج البلاد في شركات ومؤسسات وهمية ومستعارة في حقول التجارة والعقارات والنفط والمصارف اضافة الى المليارات التي تمت سرقتها من قبل عائلة الدكتاتور وقيادات حزبه ومؤسساته الخاصة والكثير من رجال عسكره الخاص وما تم سرقته ونهبه بعد انهيار النظام واحتلال البلاد في ما سمي بالحواسم التي اباحها رئيس النظام قبل هروبه في خطاب متلفز، لقد شكلت هذه الاموال والاسلحة والمقتنيات وسائل مهمة جدا في اختراق مفاصل الدولة الجديدة وفعالياتها السياسية ومؤسساتها الدستورية وبالذات مجلس النواب ومفاصل العسكر والامن الداخلي، واصبحت الخزين الاستراتيجي  والممول الاعظم لكل الحركات الارهابية التي يطلق عليها البعض بالمقاومة والتي انتشرت في البلاد نتيجة الاخطاء الفادحة التي وقعت فيها ادارة برايمر وقوانينها المرتجلة والتي خلطت فيها الاوراق وحرقت الاخضر واليابس وانتجت لنا بعد ما يقرب من اربعين عاما من القهر والظلم والطغيان سبع سنوات عجاف!؟

 

 * وقد تحولوا هم انفسهم مباشرة الى برايمر والجنرال ديفيد بتريوس بعد سقوط النظام واحتلال البلاد حيث اشتغل معظمهم في مقاولات اعطيت لهم من قبل الدائرة المدنية والاعمار في الجيش الامريكي.

 * متوسط دخل الموظف الشهري لا يتجاوز ثلاثة آلاف دينار عراقي بينما كان عضو قيادة الفرقة يتقاضى اكثر من خمسين الف دينار والشعبة 75 الف دينار- سعر صرف الدينار اواسط التسعينات كان بحدود 3000 دينار للدولار الواحد.

 * في الثمانينات وابان الحرب مع ايران كان النظام يتبنى النهج الوهابي، ثم انقلب عليهم بعد هزيمة الكويت ليتقرب من المرجعيات الشيعية في العراق وايران.

 

kmkinfo@gmail.com

 

الاثنين، 9 أغسطس 2010

كل شيئ من اجل المناصب

كل شيء من اجل المناصب في العراق؟

 

كفاح محمود كريم

 

 

   المناصب وما أدراك ما يحصل من اجلها والمواقع وما تفعله بعباد الله والعناوين التي تطوف بالهائمين بها صوب المنافذ والأبواب ومفترقات الطرق وعقدها والتهافت عليها حد الاقتتال والتذابح والفساد والإفساد وهدر الحال والأحوال والأموال، ومن ثم إشغال ما لا يشغل من قبل اناس لا علاقة لهم بتلك المسميات إلا ما ينحصر في امتيازاتها المادية والسياحية؟

 

    إنها عناوين يهرول اليها الكثير وتختلف الاسباب في الهرولة وما قبلها وما بعدها ايضا حينما تتحول الاسباب الى اهداف وغايات، وفي كل ذلك وضمن عواصف هذا التسابق والتصادم والتزاحم والتنافق والتدليس والإحلال والنفوذ تضيع الطاسة كما يقولون بين ايدي العطاشى، وتطوف ( الخوقة ) على عادة اهل الموصل او الخرقة على فصيح الكلام في فيضان الاتهامات والتدافع والثرثرة حتى لا يكاد المرء يفرق بين أصواتهم وأصوات سوق الصفافير في الموصل او بغداد؟

 

   وفي خضم ذلك تتيه مسميات المناسب وغير المناسب بل وتموع كما تموع حلاوة الطحينية في قيظنا هذا المضروب في الامثال والمطلوب لنا تمنيا ودعاءً منذ اكثر من ألف عام!

     تموع حتى تختفي تماما امام طوفان ابن العم وحزام الظهر وابناء العشيرة من العمام والخوال حتى كأنك وانت تدخل وزارة تشم عطر الوزير من مدير مكتبه حتى الحارس الليلي ( الباصوانجي ) امام باب الوزارة ليلا؟

 

      والغريب ان كل دساتيرنا وقوانيننا ومبادئنا الخلاقة وافكارنا التي لا مثيل لها في الدنيا والآخرة، تؤكد ليل نهار على الرجل المناسب في المكان المناسب حتى حفظناها على ظهر قلب وعقل ولسان مثل اسمائنا او شعارات احزابنا المناضلة وتواريخ ميلاد قادتنا الافذاذ؟

 

     وما زلنا نناضل ونكافح ونعمل برامجنا ونصيغ خططنا الخمسية والعشرية من اجل جعل الانسان المناسب في المكان المناسب، حتى اصبح أو امسى هذا الانسان الرجل الوطواط ولم يدرك مكانه لحد يومنا هذا، بل استعاضوا عنه بالقريب والنسيب والعشير، وصاحب المواهب الخاصة جدا والامكانيات البهلوانية الناعمة التي تصاحب دراما التعيينات والتكليفات  وتسمية وترشيح اعضاء الشلل والكروبات القريبة من مصادر الطاقة والقرار والذي منه؟ وفي كل ذلك تخضع الأمور الى مزاجات المسؤول وترتيباته الشطرنجية، هذا المسؤول الذي يبدأ من اصغر مدير دائرة ربما لا يتجاوز موظفيها الثلاثة مرورا بمستويات المدراء الاقل من المدير العام الذي يعتبر فلتة زمانه هو الآخر وصولا الى عبقرينو المنظر معالي الوزير حتى نستظل بظلال القائد الملهم الفذ الذي لا مثيل له ابدا!؟

 

    والغريب إن هذه النماذج من الاداريين الأفذاذ لم تخضع للفحوصات الطبية ما قبل التعيين المتعارف عليها قديما، حيث يعرض المتقدم للتعيين الى مجموعة من الاخصائيين لفحصه والتأكد من صلاحيته الفسلجية والعقلية والنفسية، ومن ثم كتاب او تأييد من المختار والاختيارية بأنه من عائلة محترمة ومعروفة بسمعتها الطيبة بمعنى أن تكون نزيهة وصادقة وشريفة على أقل تقدير!؟

 

    وهنا أتذكر قصة رواها لي احد احفاد الشيخ عبود الهيمص من شيوخ الزبيد في الفرات الاوسط في اواخر سبعينات القرن الماضي حيث توسط الشيخ لدى الباشا نوري سعيد في العهد الملكي وذلك لقبول احد ابناء المنطقة في الكلية العسكرية، وبعد اشهر سأل الشيخ نوري السعيد عن وساطته فقال له يا شيخ انك تتوسط لشخص سيكون زعيما في البلاد بعد عشر سنوات، لا تستعجل علينا ان ندقق كثيرا في أصله وفصله ونظافة يده قبل قبوله!؟

 

   حصل هذا قبل اكثر من سبعين عاما على عهد رئيس وزراء المملكة العراقية حديثة التكوين لقبول طالب في الكلية العسكرية، فهل يا ترى مازلنا نستخدم ذات القياسات في قبول طلبات المتطوعين كشرطة او جنود ناهيك عن الموظفين والمحاسبين وأمناء المال والمخازن وحراس الحدود ونواب الشعب ووزرائه!؟

 

    وصدق من قال إن الهامات لا تحتاج الى تاج، بل التاج هو الذي يحتاج اليها ليكتمل؟

kmkinfo@gmail.com

 

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

بقالة ودكاكين منظمات المجتمع المدني؟

 بقالة ودكاكين منظمات المجتمع المدني؟

 

كفاح محمود كريم

 

 لقد دأبت معظم انظمة القائد والحزب والرأي الاوحد في الدول ذات الانظمة الشمولية، على صناعة احزاب ومنظمات وجمعيات مهلهلة لاستخدامها كأدوات للزينة السياسية، ولم تك تلك التكوينات الا مجرد دوائر خاصة ومجموعات من الموظفين الذين يتلقون رواتبهم إزاء تنفيذهم لتلك الانشطة الخاصة خدمة لبرامج القائد او الحزب الذي ( يقود ) البلاد والعباد الى ما وصلنا اليه بعد اربعين عاما من الامجاد المعبقة بالحروب والاقتتال والاحتلال، ولعل صفحاتنا هنا لا تكفي العشرات او ربما المئات من اسماء تلك المنظمات والاتحادات التي لا اول لها ولا آخر والتي تبخرت هي الاخرى كما تبخر ذلك النظام وحزبه واركان قياداته في اقل من شهر، وقد ظننا إن تغييرا مهما سيحصل بعد هذا ( التبخر ) اثر سقوط النظام الدكتاتوري في العراق حيث  تأسست تحت خيمة عاصفة الحرية العشرات من الاحزاب والمنظمات التي يفترض ان تكون للمجتمع الذي ينتقل من العسكرة الى المدنية، ومن الحزب الواحد الى التعددية، ومن الاتجاه الاوحد الى مختلف الاتجاهات بما يخدم المصالح العليا للبلاد.

 

 ومن ضمن ما تأسس تحت خيمة عاصفة الحرية نافورات للصحافة والفضائيات ومصانع لانتاج الاحزاب ومحلات لتداول المنظمات او كما وصفتها في عنوان المقال بقالة ودكاكين المنظمات التي تتاجر باجازاتها و ( تندراتها )  الممنوحة من قبل الدولة ومؤسساتها التنفيذية على ضوء ما جاء في الدستور حول تشجيع واشاعة منظمات المجتمع المدني غير الحكومية، والتي تكاثرت وتوالدت باسماء رومانسية شهية ملفتة للانتباه والضمير والجيوب!، تارة باسم الطفولة واخرى باسم النساء وثالثة للطبيعة والبيئة ورابعة باسماء الامراض المستعصية واصحاب الحاجات الخاصة وطوال القامة وقصارها واصدقاء الحيوانات وجمعيات القرود والحمير والدفاع عنها وربما الاتحاد العام لاصحاب الكروش، وحدث ولا حرج من منظمات تتراقص في صالات الفنادق ذات النجوم الخمسة مع مواسم الربيع واعتدال الاجواء لأقامة مؤتمراتها او ورش تدريباتها واعمالها التي لا تتجاوز مباني مقراتها التي تستخدم للسكن والذي منه في اغلبها!؟

 

 وباستثناء الحركات والاحزاب الوطنية الديمقراطية المعروفة بسلوكها وانتمائها الخالص فقد خرجت علينا العشرات من الاحزاب البيتية والعشائرية بعد سقوط النظام سواء على خلفية ( وصايا القائد ) بالاندحاس في الاحزاب الوطنية العريقة او بتأسيس احزاب جديدة ( بالباكيت ) على شكل وكالات للدول المجاورة، فقد فار تنور المنظمات والجمعيات غير الحكومية التي يفترض انها تمثل المجتمع المدني وتكون مستقلة في ادائها المهني لمراقبة البرلمان والحكومة ومساعدة المجتمع على النهوض كسلطة خامسة، واذا ما استثنينا المنظمات التي تقوم بواجباتها الاجتماعية والتربوية والسياسية بمهنية عالية واخلاص مشهود، فان الأخريات الكثر من تلك الجمعيات قد غمرت المدن بمقراتها ومؤتمراتها التي تشارك الاخوة الاوربيين وغيرهم في السراء والضراء وبخاصة في تلقي المعونات والسفرات الترفيهية تحت عناوين التدريب والتأهيل كما يحصل في عواصم كثيرة من حولنا التي تحولت بقدرة قادر الى ورشات وكليات ومعاهد لتدريب وتأهيل تلك المنظمات.

 

 لقد بلغ عدد المنظمات والجمعيات حسب ما جاء في تقرير وزارتي الداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية العراقية ( 11400 ) منظمة مجتمع مدني أي بمعدل ( 760 ) منظمة لكل محافظة عراقية ويفوق هذا العدد من المنظمات عدد مباني المدارس في كثير من مدن البلاد التي تعاني نقصا خطيرا في عددها وعدد الصفوف، ومع ان هناك في الواقع أكثر من 15000 مدرسة ابتدائية في العراق*، إلا أن عدد المباني المدرسية المتوفرة فعلياً هو 11368 مدرسة فقط لاستقبال الملايين من الطلبة الملتحقين، وحوالي 2700 مدرسة من هذه المدارس الموجودة فعلاً بحاجة إلى عملية إصلاح وإعادة تأهيل شامل إضافة الى المئات من المدارس الطينية والصرائف، وقد صرَّح روجر رايت ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة في العراق لجريدة الشرق الاوسط قائلاً:

 

  نملك اليوم دليلا واضحا على مدى تدهور هذا النظام في الوقت الحاضر حيث يتلقى ملايين الأطفال في العراق تعليمهم في مدارس تفتقر إلى الخدمات الأساسية مثل شبكات مياه الشرب أو الصرف الصحي، وتعاني من جدران متداعية ونوافذ محطمة ونضوح في السقوف. إن نظام التعليم برمته يعاني من الإرباك والأعباء، وعزا رايت هذا التدهور الى الإهمال وضعف التمويل أثناء حقبة العقوبات التي دامت أكثر من عقد كامل والأثر الذي خلّفته العديد من الحروب التي اشتعلت في داخل البلاد وخارجها طيلة ما يقرب من ثلاثين عاما.

 

 ان مقارنة بسيطة بين هذه الارقام وغيرها تعطينا مشهدا مثيرا ومؤشرا خطيرا على الخلل الكبير والبون الشاسع بين واقع الحال وبين ما يجري منذ سقوط النظام الدكتاتوري، بين نضالات وتضحيات القوى الوطنية من اجل عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي حر طيلة اكثر من نصف قرن وبين ما تحقق خلال هذه السنوات التي طغت عليها مزايدات الانتهازيين والمنتفعين والفاسدين الذين نجحوا في اختراق كثير من مفاصل الدولة الحديثة ومؤسساتها ونخروها الى الدرجة التي صنفت فيها كدولة فاشلة مغمورة بالفساد والافساد!؟

 

 * حسب ما جاء في تصريح السيد مدير إعلام وزارة التربية العراقية

 

 

kmkinfo@gmail.com

 

 

الأحد، 11 يوليو 2010

اقليم كردستان والمحيط العربي

اقليم كُردستان والمحيط العربي

 
 
كفاح محمود كريم
 
    بعد الزيارة المهمة التي اجراها الرئيس مسعود بارزاني الى كل من السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة ولبنان، زار خلال الايام الماضية كل من الاردن وجمهورية مصر العربية في انفتاح كردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الاعلام الاسود فعلته في تشويه تطلعات الاقليم الكردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب شعوبا وفعاليات سياسية عبر موروث كبير من الايجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، رغم ما فعلته انظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة واعلامها الاسود طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من اجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الارض والدين والمصير.

 

   ومن اطلالة تاريخية على موروث الزعيم مصطفى البارزاني قائد حركة النهضة الكردية المعاصرة نكتشف ان اول لبنات مبادئه في النضال الكردي انما هو مقارعة الدكتاتورية والعمل من اجل نظام ديمقراطي يرسخ عرى العلاقات التاريخية بين مكونات العراق العرقية والقومية والدينية على اسس من العدالة والحرية والكرامة الانسانية، بعيدا عن اي شعور قومي متعصب او كراهية تمزق نسيج المكونات العرقية والقومية سواء في العراق او سوريا.

 

   وفي ادق مراحل الصراع بين الحركة التحررية الكردية والانظمة الدكتاتورية كانت الثورة تتمتع بعلاقات وطيدة برجالات المجتمع العربي العراقي وغيره سواء على مستوى الافراد او المنظمات او الاحزاب او العشائر، ولقد اعتمدت تلك الحركة التحررية طيلة عقود طويلة من النضال الدؤوب علاقة خلاقة مع الشعب العربي ووضعت تلك العلاقة نصب اعينها لكي تكون بمنأى عن التخديش او الاساءة التي حاول النظام الدكتاتوري السابق التثقيف بها وعليها من اجل تحويل الصراع بينه وبين القوى الديمقراطية الى صراع قومي او مذهبي.

 

   ولعله من المفيد ان نتذكر دوما تلك العلاقات المتينة بين عشائر العبيد وشمر والجبور والدليم وغيرها من عشائر العراق الكبيرة وبيوتاته التي كانت تجمع بين قيادة الحركة متمثلة بقائدها الكبير مصطفى البارزاني وشيوخ واعمدة تلك المكونات الاجتماعية طيلة سنوات الثورة وما بعدها والتي ساهمت في كثير من الاوقات في ايقاف اطلاق النار واجراء مفاوضات او مباحثات بين الحكومة والثورة، بل ومنعت اي توجه حكومي انذاك من اجل صراع قومي بين الكرد والعرب وساهمت منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا في افشال كثير من المحاولات الخبيثة لأشعال فتنة عرقية او قومية في مناطق الاختلاط بالموصل وكركوك وديالى رغم ما تعرض له الكرد وغيرهم من حملات ارهابية دموية لتهجيرهم من تلك المدن.

 

   وبصرف النظر عن الاختلاف في الرأي او التوجهات حافظت الحركة ومن ثم مؤسسات الاقليم بعد الانتفاضة على علاقات ايجابية ومهمة مع المحيط العربي رغم ما كان يفعله الاعلام الاسود في كثير من الدول العربية على تشويه القضية الكردية وشن حملات معادية لاي توجه جاد من اجل بناء علاقة حميمية بين الاقليم والمحيط العربي، ورغم ذلك استطاعت الدبلوماسية الكردية متمثلة بالرئيس مسعود بارزاني ومؤسسات الاقليم الاخرى من البرلمان والحكومة ومنظمات المجتمع المدني من فتح قنوات مهمة مع كثير من الدول العربية ومنها سوريا ودول الخليج ولبنان وليبيا والاردن ومصر العربية التي تستقبل الرئيس بارزاني بصفته رئيسا لأقليم كردستان العراق.

 

    ان نجاح الاقليم ومؤسساته في تنظيم مؤتمر البرلمانيين العرب قبل سنوات واستقباله للامين العام لجامعة الدول العربية وكثير من المسؤولين العرب رفيعي المستوى يدلل على الاهتمام الكبير بالمحيط العربي والاصرار على تمتين العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية على عكس ما تذهب اليه بعض وسائل الاعلام المغرضة في ادعاءاتها وتشويهاتها لحقائق الامور هنا في الاقليم.

 

   ويعتقد كثير من المراقبين ان جولة الرئيس بارزاني العربية الاخيرة ونجاحه في اقناع المصريين بفتح قنصلية مصرية في العاصمة اربيل* وقبلها النجاح في اقناع الاردنيين بتسيير اول خط جوي بين الاقليم وعمان وبعدها دبي وبيروت والبحرين ومصر، تمثل نجاحا كبيرا للدبلوماسية التي يقودها الرئيس بارزاني باتجاه توطيد اواصر العلاقات التاريخية لكردستان مع اشقائهم في الدول العربية على مستوى الشعوب والحكومات، وربما هيأت هذه الجولة اجواءً مقنعة لعقد مؤتمر القمة العربي القادم في العاصمة اربيل بعد النجاح المشهود الذي تميز به الاقليم في تنظيم كثير من المؤتمرات الاقليمية ومنها مؤتمر البرلمانيين العرب الذي شهدته العاصمة اربيل لما تتمتع به من حسن الادارة والضيافة والسلام والامن الذي يمتاز به الاقليم لا على مستوى العراق فحسب وانما على مستوى المنطقة باسرها.

 

ويبقى ان نقول إن جولة الرئيس بارزاني الاخيرة الاوربية والعربية بصفته رئيسا لأقليم كردستان العراق تمثل تطورا نوعيا في الاداء الدبلوماسي الكردستاني وانفتاحا مهما على المحيط العربي سياسيا واقتصاديا مما سيشجع الكثير من البلدان العربية وغيرها في المنطقة على اعادة النظر في مواقفها من الاقليم ومؤسساته الدستورية والتعامل الايجابي مع الوضع العراقي الجديد والاعتراف بشكله السياسي وخيارات شعوبه ومكوناته.

 

 

* قرار الرئيس المصري اثناء زيارة رئيس اقليم كردستان للقاهرة بفتح قنصليتين مصريتين في كل من اربيل والبصرة.

 

kmkinfo@gmail.com