الأحد، 18 أبريل 2010

النساء والرجال

النساء والرجال.. شراكة أم استعباد؟

 

كفاح محمود كريم

 

 

    منذُ الأزل، ومع اختلاف نظريات التكوين في ما بينها، سواءٌ ما كان منها ديني أو من بنات أفكار البشر، لم تنتقص هذه النظريات من شأن النساء ودورهن كقطب من قطبين لا ثالث لهما في النشوء والتكوين، ربما تتجنى بعض التفسيرات للنصوص السماوية وتبتعد عن المعاني السامية لفلسفة الأديان في وصفها للمرأة ودورها في المجتمع، إلا أن ذلك لا يعني تماما إن الأديان قد حولت النساء إلى قطيع من العبيد؟

 

    إذن، دعونا نتفق أولا بأن هاذين القطبين كانا المؤسسين لمجتمعنا العاقل بصرف النظر عن أصول تكوينهما سواء كانا قردين أو حوتين على فكرة أخينا جارلس دارون غفر الله له ورحمه، أو كما جاء في كتبنا المقدسة إبتداءً من أبينا آدم وأمنا حواء وانتهاءً إلى ما آلت إليه الشراكة بين القطبين، وتحولت السيدة حواء إلى ( حرمة ) والسيد آدم إلى دكتاتور بغيض!.

 

    وسواء اتفقنا أم لم نتفق فقد اجتمعت معظم الأديان والفلسفات القديمة إن لم أقل جميعها على احترام المرأة وموقعها وتقديسها لدى الكثير من الشعوب في ميثولوجياتها الموروثة... ولكن؟

 

  ما الذي حول شريكة الحياة إلى ( حرمة ) أو ( عورة )؟

   هل هي النظم الاقتصادية وتداعياتها عبر الأزمان؟

   أم هي تلك المنظومة من العلاقات الاجتماعية التي أفرزتها ماكينة الاقتصاد وطبيعة البيئة والصحراء، التي كبلت الرجل وجعلته أكثر عبودية لغرائزه ومن ثم ذكورته؟

   هل كانت التفسيرات المزاجية والذاتية للنصوص الدينية التي تخدم في تأويلاتها مصالح الذكور سبباً في عبودية الرجل لذاته التي كونها من إلغاء ومصادرة بعض حقوق وإمتيازات شريكته؟

   أم هو المجتمع الزراعي والرعوي ومن ثم القبلي؟

   أم هو صراع سلطوي في الشراكة واتخاذ القرار؟

 

   مع كل هذه التساؤلات يبقى الرجل ( باعتقادي ) هو من يحتاج الحرية والتحرر لأن شريكته مسجونة في عبوديته، وعبوديته مجموعة متناقضة من أنماط السلوك والتصرف والادعاء وأمراض النرجسية والازدواجية.

 

    دعونا نتساءل بشفافية وقليل من الجرأة، ربما نتعرف أكثر على أوجاعنا التي لم نعد نحس بها ؟

 

    كم منا سمح ( لنسائه ) أن تفعل كما يريد هو أن يفعله بنساء الآخرين بصرف النظر عن النوايا ونوع السلوك؟

    كم منا أجاز ( لحريمه ) ترجمة أفكاره ( المخملية ) في التحرر والأنعتاق والمشاركة الفعلية في الأنشطة السياسية والثقافية والفنية بغض النظر عن توجهاته هو؟

    كم رجلٌ منا ( مهما كنا ) أحل لسجيناته حرية الاختيار دونما تأثير وضغوطات حتى  الإقناع؟

    من منا لا يتهم المرأة المتحررة بالفريسة السهلة والخفيفة؟

    كم من النساء قتلنا لمجرد علاقة أو دعاية أو وشاية لم تثبت كما جاء في القانون القرآني السامي ؟

    كم منا يعتقد بأن الشرف سلوك رجالي كما هو نسائي ؟

    كم منا يؤمن بأن الشرف صدق وأمانة وشجاعة وحرية لا مجرد أعضاء تناسلية فحسب ؟

    كم منا يرفض بصدق هذا النظام الاجتماعي في أسرته ويعمل فعلا على استبداله ؟

 

     إذن، التساؤلات كثيرة وربما تثير أوجاعنا التي تكلست، ولكن الإجابات على ما سبق مهما كانت فهي بالتأكيد لا تخضع للقياسات العامة التي تمنحنا استنتاجات لبناء بدائل أخرى في هذه الحقبة من الزمن، وعلى العموم فأننا أمام خيارين:

 

    إما أن يكون هذا النظام هو الأفضل لحد الآن على ضوء واقع الحال، حيث أن القطب الثاني ( يبدو والله أعلم ) راضيا عن هذه ( القسمة ).

    أو أننا إزاء ثورة اجتماعية كبرى تستدعي طاقات وتضحيات وأزمان ليست طبيعية مع عمليات تحديث واسعة لمناهج وفلسفة التربية والتعليم.

 

  وفي كل الأحوال علينا أن نتذكر دوما بأننا نعمل بأقل من نصف طاقاتنا وإحصائياتنا وأرباحنا، ونستهلك أكثر من كامل حجمنا نساءً ورجالاً وتلك معادلة خاسرة تماما؟

   وعلى ضوء ذلك لا زلتُ مصراً بأن الرجال هم أولى باسترجاع حقوقهم الإنسانية المحضة والتحرر من عبودية ألذات ( الأقوى ) وحينذاك ستكون ( الحريم ) حرائراً ولكن بعد حين.

 

kmkinfo@gmail.com

 

الخميس، 8 أبريل 2010

احذروا هؤلاء؟

   احذروا هؤلاء.. إنهم يتسلقون السلطة؟

 

كفاح محمود كريم

 

     انتهجت بعض الحركات السياسية والدولية سياسة التسلق واستجداء الشرعية عبر سلوك إعلامي ودعائي اقل ما يقال عنه انه ميكافيلي لا تهمه في تحقيق أهدافه انتهاج أي وسيلة من الوسائل مهما كانت في طبيعتها عدائية أم شوفينية أو كارثية كما حصل في مراحل كثيرة من تاريخ البشرية القديم والحديث، والتي أدت الى ماسي كبيرة عانت منها شعوب واقوام وتسببت في حروب مدمرة كان آخرها تلك الحروب التي اشتعلت بين إسرائيل والدول العربية وبين العراق وإيران وادت الى مقتل مئات الآلاف وأضعافهم من الجرحى والمعاقين، وتدمير القرى والمدن والبنى التحتية لتك الدول المتحاربة على خلفية الكراهية الدينية أو العرقية واطماع المتشددين فيهما.

 

   لقد اعتقد الكثير ان تلك الحروب الكونية الرهيبة بين المانيا والعالم والتي دفعت الولايات المتحدة في الثانية منها الى استخدام سلاحها القذر في اليابان، ستكون آخر الحروب التي كثفت ثقافة العرق السامي او الراقي الذي تبنته منظومة التفكير لدى النخب الالمانية النازية والفاشية الايطالية وانتقل فايروسه الى حركات واحزاب عنصرية حكمت العراق وبعض دول الشرق الاوسط وما تزال تنفث سمومها حوله اينما تواجدت او صادفت بيئة مناسبة لنموها وتكاثرها كما يحصل الآن في العراق باستغلال قطار الديمقراطية، في غياب قانون أو تشريع يمنع تلك الثقافة التي منعت تماما في معظم دول أوربا بعد سقوط النازية والفاشية.

 

     ومن جانب آخر كان اخطر ما استخدمته الماكنة الاعلامية الاسرائيلية في استعطاف الرأي العام الدولي وبالذات الاوروبي والامريكي، هو اتهام العرب والفلسطينيين بمعاداة العنصر السامي رغم انتمائهما لهذا العنصر، بمعنى معاداة الاسرائليين واليهود خاصة والادعاء بأن العرب والفلسطينيين ينوون ابادة هذا العنصر وهذا الدين، مدعية انها تمثل السامية لوحدها دون العرب؟ واستطاعت عبر حقبة طويلة من اقناع الرأي العام الاوربي والامريكي بفكرة معاداة السامية التي ينتهجها العرب وكل من يساندهم ضد الاسرائيليين وبذلك كانت تهيئ دوما ارضية خصبة لأي عملية واسعة عسكرية او مخابراتية تقوم بها ضد الفلسطينيين او الدول العربية بما يحقق لها نصرا اعلاميا وتعاطفا دوليا؟

 

   ومثل ذلك فعلته اجهزة الدعاية الامريكية والرأسمالية عموما بعد سقوط المانيا الهتلرية وبدأ الحرب الباردة والصراع الخفي بين الامريكان والغرب من جهة والاتحاد السوفياتي ومجموعته الشرقية واليسارية من جهة اخرى، في ما عرف بسياسة معاداة الشيوعية طيلة حقبة الحرب الباردة والتي اعتبرت فيها الشيوعية كفرا وإلحادا وكونها فكرا تدميريا للمجتمعات واخلاقياتها وعاداتها وتقاليد الاديان الشرقية والاسلامية تحديدا، متعكزين على اثارة الرأي العام الديني لدى المسلمين بالذات حول الاحزاب الشيوعية والتقدمية ونظريات الفكر الماركسي حول الوجود والاديان والطبقات الاجتماعية والنظام القبلي وشيوخه والاقطاعيات الزراعية مستغلين في ذلك كثير من المتطرفين والمتزمتين لدى الطرفين؟

 

    ولقد انتجت تلك النظرية مع ما ترشح من افكار نازية مجموعات من الانظمة والحركات والاحزاب القومية المتطرفة عرقيا ودينيا بما يصنفها في حقل النازية والفاشية في اقصائها للمكونات غير العربية وغير الاسلامية في كثير من البلدان مثل العراق وسوريا والسودان ودول شمال افريقيا وتركيا وايران، من خلال معاداتها العنصرية لتلك المكونات والعمل وفق برامج منظمة لأذابتها واحتوائها ضمن بودقة القومية الاكبر في تلك المنطقة من خلال مجموعة من القوانين وبرامج الإذابة في منع تداول اللغة واستخدام الأسماء والفلكلور وما سمي بتصحيح القومية والترحيل والتوطين وأحزمة الحدود القومية.

 

   وإذا ما راقبنا حقبة حكم واحدة من تلك الأحزاب النازية التي حكمت العراق منذ 1963م وحتى سقوط هيكلها الإداري في نيسان 2003م، فسنرى تشابها كبيرا بين طروحات قادة النازية والفاشية وقادة تلك الحقبة وافكارهم وممارساتهم تجاه الشعب بشكل عام والمكونات غير العربية والإسلامية بشكل خاص، والغريب في ذلك التشابه الكبير في سلوكيات وتطبيقات الدولة العبرية في فلسطين، وبين ما كان يفعله ذلك النظام وبالذات اعماله في كردستان العراق وجنوبه، حيث التغييرات الديموغرافية وتهجير السكان وإسقاط وثائقهم وثبوتاتهم الرسمية بما يقطعهم من جذورهم في كركوك والموصل وديالى، وبناء المستوطنات التي استقدم لها السكان من جنوب ووسط العراق وتمليكها مساحات واسعة من الاراضي الزراعية التي كان يمتلكها السكان الاصليين الذين تم تهجيرهم منها في وحول كركوك والموصل واربيل ودهوك، كما فعل الإسرائيليون في مجموعة المستوطنات التي بنيت على أنقاض القرى والمدن الفلسطينية منذ اربعينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا في القدس والضفة الغربية، اضافة الى ما كانت تستخدمه اجهزة الدعاية والاعلام لتلك الانظمة بشكل مكثف في الانتقاص من تلك المكونات واتهامها بالخيانة العظمى دوما والعمالة للغرب او اسرائيل كما تفعله اليوم اجهزة الدعاية والاعلام العربية في ما يتعلق بتجربة اقليم كوردستان العراق، حيث تستخدم قوى سياسية فاشية نجحت في ركوب قطار الديمقراطية لتصل الى مفاصل مهمة في منظومة الحكم العراقي ذات الاسلوب الميكافيلي الذي استخدمته الدعاية الصهيونية واجهزة المخابرات الامريكية في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، بمعاداتها للكرد وتجربتهم لتحقيق ما تصبو اليه في الهيمنة على مواقع اكثر في جسد العراق الجديد تحت عباءة الديمقراطية ولحساب اجندات دولية ليست ببعيدة عن المنطقة ولها علاقة واضحة بالملف الجغرافي السياسي والتكوين العراقي مستغلة التورط الايراني في الجانب الاخر من البلاد؟

 

  ولقد تم تأشير تلك القوى والتنبيه الى محاولاتها باستخدام ذلك القطار للنفوذ ثانية الى مواقع التأثير والسلطة، وبدلا من محاربتها ومعالجة مكامن الخلل الذي تستغله، استخدمها البعض كاوراق سياسية ضاغطة في الخلافات مع الاطراف الاخرى في العملية السياسية سواء في بغداد او مع الاقليم، وذلك من خلال غض النظر عن اختراقاتها بل ودعمها في مناطق كثيرة مثل كركوك والموصل لدرجة العمل معها من اجل ايصالها الى دفة الحكم في تلك المناطق كما حصل مع مجموعة الحدباء-النجيفي المتطرفة    في انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة في العام الماضي، وهي ذاتها تحالفت مع الكتلة المنافسة لها الآن في انتخابات مجالس المحافظات، انها حقا تستخدم مناورة ميكافيلية معروفة لدى النظام السابق مع كل القوى الفاعلة الآن من اجل تحقيق اهدافها للوصول الى السلطة ومحاولة اعادة او تصنيع اجزاء من الماضي السياسي البغيض للبلاد.

 

  لقد دأبت تلك القوى على استخدام شعار بالي في معاداتها للكُرد وكردستان وهي تدافع عن مكتسبات النظام السابق وعطاياه لأولئك الذين دمروا البلاد واستحوذوا على اموالها وممتلكات مواطنيها كما حصل في كركوك والموصل وديالى وبغداد والفرات الاوسط  في عمليات التوطين والترحيل وتغيير القومية واذابة شرائح دينية وعرقية في محافظتي الموصل وكركوك ( الايزيدية والمسيحية وعشائر الشبك ) في بودقة عنصرية شوفينية لسلخها من واقعها وفرض واقع هجين عليها، بل انها لا تؤمن بالدستور الحالي وتعمل من اجل الغائه او تعطيله كما فعلت طيلة اربع سنوات مع تطبيق المادة 140 وغيرها من المواد الاخرى، وهي اليوم تحاول تسلق جدران السلطة وممارسة ذات الاسلوب الميكافيلي مع كل القوى الفاعلة في الساحة السياسية وبالأخص تلك التي عارضت النظام ووقفت بالضد من أفعاله وسلوكياته ونهجه محاولة منها لتصنيع الماضي او اجزاء منه هنا وهناك!؟

      

 

 

 kmkinfo@gmail.com

 

السبت، 3 أبريل 2010

الأمية الوطنية
واحدة من اهم ما يواجه عملية التحول الى النهج الديمقراطي لبناء العراق الجديد هو الامية باشكالها المتنوعة وفي مقدمتها، الابجدية والحضارية والسياسية المستشرية في قطاعات واسعة من الاهالي في المدن وبشكل اوسع في الارياف، وهي التي تنتج حينما تجتمع جميعها امية وطنية وعذرا إن استخدمت هذا التعبير الذي اعني فيه الجهالة بالوطن والضبابية في مفهوم المواطنة وتقزيم البلاد واختزالها في قرية أو مدينة أو عشيرة، بسبب ديمومة البداوة وتراكم التخلف والتجهيل المتعمد من قبل معظم الانظمة التي تسلطت على البلاد، وذلك من خلال عمليات غسل الادمغة وتسطيح العقول الذي تعرض له المواطن طيلة عشرات السنين منذ قيام الدولة العراقية مطلع القرن الماضي وحتى تقزيمها في حزب او عرق او دين او شخص اوحد خلال نصف القرن الاخير؟

ويمكن أن نقول انه كانت هناك محاولات جدية في نهاية سبعينات القرن الماضي للحد من الامية الابجدية حصرا، والتي تضمنت مشروعا عاما في كل البلاد ولمعظم الاعمار خارج سن المدرسة الابتدائية لولا اصطدامها بجدار سلسة الحروب الحرب التي ابتدأت في ايلول سبتمبر 1980م واستمرت حتى سقوط النظام في نيسان 2003م، تسببت في ايقاف ذلك المشروع وفشله تماما مع تدهور المستوى التعليمي والتربوي في المدارس والجامعات العراقية عموما، رافق كل ذلك برنامج منظم ومشدد من قبل الحزب الحاكم في عسكرة المجتمع وغسل ادمغة الاهالي وتسطيح عقولهم ووعيهم بتكثيف المعرفة والمعلومات بشخص الرئيس والحزب واجهزة دعايتهم التي فعلت فعلتها في تقزيم مفهوم المواطنة وتشويهها الى درجة الغاء مفهوم العراق كوطن او دولة واعتباره قطرا لا اكثر من خلال إذابته في كيان خيالي وطوباوي، وبناء منظومة سايكولوجية وفكرية لدى الفرد لا تتعدى مجموعة شعارات الحزب ووصايا القائد ومفردات الحرب والعسكرتاريا والعدو المفترض الذي يهدد البلاد ويستهدف العرض والارض والدين!؟

وقد ادى ذلك الى تفشي امية في المفاهيم الوطنية وغياب مفهوم المواطنة الحقة على حساب مجموعة قيمية اخرى تم زرعها وتكريسها وهي تختصر الوطن في قرية والشعب في عشيرة او اسرة بذاتها حينما تم حصر دائرة معلومات الفرد وثقافته وتطلعاته وانتمائه بشخص القائد التاريخي والضرورة وايديولجية الحزب الحاكم الشمولية والمطلقة والتي لا تقبل الاخر المختلف الا من خلال تبعيته وانقياده كليا لثقافة القطيع التي كرستها مبادئ ذلك الحزب وسلوكيات رئيسه وحولتها تدريجيا الى نظام العشيرة والشيخ، مما ادى خلال ما يقرب من اربعين عاما الى ظهور طبقة واسعة من الاهالي ذات الوعي المسطح والمستكين تماما الذي تكون على اساس ( نفذ ثم ناقش )* الذي شوه بناء الشخصية الانسانية وقتل فيها عنصر المبادرة والخوف وبالتالي عمل على نمو انماط من السلوكيات والتعقيدات والتناقضات الحادة بين طيات تكوينها النفسي والاجتماعي مثل الانهزامية والتملق والسذاجة وفقدان الثقة والتردد والقسوة والامعية وتسودها ثقافة الاستكانة والانقياد وغياب الرأي والتفكير.

بحق إن ما يواجه العراق اليوم ليس ارهابا منظما وتدخلات مخابراتية وسياسية اجنبية بقدر ما هو هذه الحاضنات الامية المسطحة التي تستقبل افواج الارهابيين والقتلة والجواسيس وتجار السياسة، والتي كونتها تلك الامية الوطنية خلال عقود طويلة من التجهيل والتقزيم وثقافة القطيع التي خلقت الاستكانة والامعية والانسلاخ من الوطن والشعب للتقزم والانكفاء في شخص الرئيس او الحزب ومن ثم القرية والعشيرة مما يجعلها من اولى اولويات القوى الفاعلة في المجتمع من الاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والاعلام بوسائله المختلفة في العمل من أجل اعادة بناء الشخصية الوطنية على اسس ديمقراطية رفيعة تنطلق من مفهوم راق ونبيل للمواطنة بعيدا عن الدين والمذهب والعرق وثقافة الرئيس القائد والحزب المنقذ بالارتكاز على عملية واسعة لتحديث مناهج التربية والتعليم وتغيير فلسفتها بما يتوافق ومبدأ المواطنة والديمقراطية وحقوق الانسان في العراق الجديد.


* من المبادئ الرئيسية لحزب البعث

الجمعة، 2 أبريل 2010

لنتحاور: فضائية كردية بلسان عربي

فضائية كردية بلسان عربي

صوت كوردستاني الهوية بالعربية
فضائية كوردستان ببرنامج ثان بالعربية


أ.د. تيسير عبدالجبار الآلوسي

العلاقات الكوردية العربية صيغت عبر تفاعلات بمستويات عديدة منها الرسمية ومنها الشعبية.. وقد اكتنف المستويين بخاصة الرسمي تذبذبات بين الصعود والهبوط لأسباب مختلفة.. أما شعبيا فقد تعمدت تلك العلاقات بنضالات وتضحيات مشتركة ما انفكت مرعية من الطرفين بروح التآخي والتعايش السلمي المكين.

يعبر عن هذه الوشائج العميقة خطاب متبادل يمثل صلات التحالف الاستراتيجي الثابت وجسور التآخي مثلما يجسده وجود نخب عربية وكوردية تتبنى التصدي لموضوعة التحالف والتضامن والدفاع عن القواسم المشتركة بأسس إنسانية الجوهر؛ وقد تمثل بعض هذا في إيجاد تنظيمات مهمة وكبيرة مثلما التجمع العربي لنصرة القضية الكوردية وخطابه التضامني الواضح...

على الضفة الأخرى يوجد في الوسطين العربي والكوردي متشددون شوفينيون يدفعهم التعصب وغالب أنشطتهم، إلى خدش تلك العلاقات وتعريضها للهزات والتشويش.. الأمر الذي يتطلب وسائل مناسبة لفتح قنوات حوار مباشرة بين الطرفين تتجه إلى أوسع جمهور من العرب والكورد بما يعبر عن حقيقة التآخي الوطني (بخياره الفديرالي) والإنساني (بخيار إخاء المساواة والعدل) ويمحو أية احتمالات للتشويش ولتعريض العلائق لأي نوع من التعريض والهجمات...

في ضوء هذا وغيره من الدواعي كانت فضائية كوردستان قد فتحت نوافذ من جهتها لمخاطبة الجمهور العربي بلغته والوصول إليه بحوار موضوعي يجيب عن الأسئلة الحية المباشرة ويناقش الأحداث والوقائع الجارية كما يمارس سلطة الخطاب الثقافي بفكر تنويري متفتح، إنساني الجوهر..
إلا أن هذه النوافذ وأهمها وأبرزها برنامج (لنتحاور) لم تستطع الاستمرار لأسباب كثيرة منها ظروف البث بالكوردية وأولوياتها تجاه جمهورها الأساس. وعلى الرغم من الأهمية المميزة لمثل هذا البرنامج ومن مكانة معده ومقدمه الأستاذ كفاح محمود المستشار السياسي للفضائية إلا أن طبيعة تطورات الواقع استدعت مطلبا رئيسا جديدا يتمثل في فتح قناة فضائية تعدّ البرنامج الثاني لفضائية كوردستان..

وبالحقيقة حتى يتحقق هذا الأمر لابد من التوكيد على أهمية بث الحوارات الكبيرة التي سجلها البرنامج العربي لفضائية كوردستان وتحديدا منه برنامج (لنتحاور) لأهمية مادته وحيوية ما تضمنته من معالجات ولاستقطابها كبار المفكرين والمثقفين والساسة والمتخصصين في ما تناولته من موضوعات..

لقد جاء مقترح السيد كفاح محمود بشأن الدعوة لافتتاح قناة ناطقة بالعربية للكورد في توقيت صحيح تماما.. وأضاف إعلاميون ومفكرون أسباب أخرى لجملة الأسباب والدواعي التي تفضل بها.. وأشير هنا إلى الرسالة المفتوحة الأبرز التي بعثها البرفيسور الدكتور كاظم حبيب بالخصوص بالذات فيما يتعلق بأهمية إعلامية منتظرة لفضائية كوردية تعالج ردحا من التخريب الذي افتعلته القوى الشوفينية في الوسط العربي.

وأود هنا أن أؤكد حقيقة أخرى مهمة، هي حقيقة وجود جمهور غفير من الكورد الذين حرموا من استخدام لغتهم الأم - اللغة الكوردية – وهم ينتشرون في بلدان عربية وشرق أوسطية عديدة.. كما أن عددا مهما ومؤثرا من النخبة الثقافية الكوردية تكتب بالعربية فقط وعددا آخر يكتب بالعربية إلى جانب الكوردية.. وهؤلاء يسجلون علامات مهمة في كتابة النص الإبداعي في الأدب نثرا وشعرا كما يسجلون مآثر ثقافية مميزة ويصنعون خطابا مستقل الهوية ملتزما بقضيته الكوردية معبرا عنها، متمسكا بتطلعات الكورد وآمالهم ومحققا أهدافهم في خلق خطاب إنساني صحي سليم في التعاطي مع الآخر...

إنَّ كتّاب العربية الكورد يستحقون أن تكون بين أيديهم الأداة المؤملة؛ ممثلة بفضائية كوردستانية الهوية بكل تفاصيلها لتعبر عن رؤاهم التي تجسد بالتأكيد خطاب الأمة الكوردية لجمهور العربية.. وسيكون الكتّاب الكورد الصوت الأفضل في التعبير عن خطى التلاحم والتفاعل الإيجابي بين الطرفين.. وهم خير رسالة إنسانية تلغي كل شكل من أشكال التشوش والتضليل الذي مارسته خطابات الشوفينيين بين جميع الأطراف..

كما أن وجود فضائية ناطقة بالعربية تستوعب المبدع الكوردي وهو يكتب باللغات الأخرى ستكون وعاء ثقافيا مناسبا لأدوات عصرنا كيما يتعزز احتضانهم قوميا حيث هويتهم الحقة وحيث الأصل الذي يعبرون عن همومه وآلامه وآماله..

وبدلا من البقاء في زوايا القاعات وحدودها الضيقة سينفتح حوار المعرفة الأهم على جمهوره الواسع أقصد هنا انفتاح الحوار بشأن هوية الكتّاب الكورد الذين يكتبون بالعربية وغيرها من اللغات كالفارسية والتركية.. وهذا الانفتاح الذي ستصنعه فضائية كوردستانية بالعربية سيسجل بادرة بعيدة الأثر في المحيط المقصود...

أما مسألة اختيار فضائية كوردستان لهذه المبادرة فيعود لجملة من المحفزات أبرزها كونها الفضاية الأولى ميدانيا التي بادرت بعديد من النوافذ والإطلالات الإعلامية والفكرية الكبيرة. وهي التي تمتلك الإمكانات الفنية التقنية مثلما تحتضن كبار كتّاب كوردستان بالعربية، فضلا عن امتلاك الخطط البرمجية المناسبة والاستعدادات الوافية لافتتاح هذه المحطة الجديدة...

إنَّ قائمة من المفكرين والمثقفين المبدعين في مجالات الآداب والفنون وعلوم إنسانية وشؤون معرفية ستملأ حجما كبيرا عندما نريد وضع سجل للكتّاب الكورد بالعربية وهذا أمر بالمناسبة بحاجة لدراسات جدية كبيرة أكاديميا وثقافيا فكريا وإعلاميا وأظن أن معالي وزير الثقافة السابق الأستاذ فلك الدين كاكائي كان قد أشار لمثل هذا الأمر بوضوح منذ عقود خلت..

واليوم يعاود الرواد مطلبهم في تجسّد مؤمل منتظر في مفردة من هذا المطلب ممثلة في اقتراح فضائية بالعربية، يمثل برنامجا ثانيا مستقلا لفضائية كوردستان..

ودعوتي هنا لا تقف عند حدود تأييد المقترحات التي أطلقها الأستاذ كفاح محمود حسب بل أوجه رسالتي توكيدا وبالتضافر مع رسالة بروفيسور كاظم حبيب لتكون باسم مؤسسات الثقافة ومنظمات التضامن ونصرة القضية الكوردية موجهة مباشرة إلى إدارة فضائية كوردستان كيما تستجيب لهذا المطلب الآن كونه مطلبا راهنيا مباشرا ومهما..

مثلما أوجه دعوتي إلى رئاسة كوردستان ورئاسة الوزراء ليضعوا ثقلا مميزا واهتماما ممناسبا لمثل هذه المبادرة التي اختمرت بمناقشات وحوارات وسجالات الواقع ونضج تجربته وعنفوان إبداع مشروع كبير كهذا..

وثقتي أن هذه الدعوة لن تقف محدودة بل ستحظى بمواصلة المؤازرة ككرة الثلج حجما وكقلب بركان في فعاليتها وحرارة عطائها لتكون حملة نوعية من نمط جديد ليست لجمع قائمة من المتضامنين بل لجمع أدوات العمل والتنفيذ والتحول إلى واقع في فرصة ليست بعيدة..

وسيحتفي محبو كوردستان والكورد وقضيتهم بانطلاقة موضوعية هادرة بخطاب كوردستاني الهوية أممي الأداة إنساني الجوهر والهدف... وسنلتقي ليس بعيدا في كرنفال المحبة والتآخي والاحتفاء بفضائية كوردستان مجددا بولادة نوعية جديدة..

* باحث سياسي أكاديمي
ناشط في مجال حقوق الإنسان
رئيس جامعة ابن رشد في هولندا
tayseer54@hotmail.com
* نشر في صحف ورقية والكترونية كثيرة







الخميس، 1 أبريل 2010

من اجل برلمان خال من المشبوهين؟

كشفت محاولة إقصاء مجموعة من المشبوهين بانتمائهم أو ارتباطهم بحزب البعث، الذي حكم العراق طيلة ما يقرب من أربعين عاما وتورط في عمليات إبادة جماعية للسكان في شمال البلاد وجنوبها، وتسبب في تدمير شامل للبنية التحتية لواحدة من أغنى وأثرى بلدان العالم قاطبة، كشفت تورط الكثير من المسؤولين العراقيين من الخط الأول في التغطية على هؤلاء المشبوهين وإيصالهم الى دفة الحكم في السلطات الثلاث، ومن ضمنهم السيد صالح المطلك الذي لم ينف انتمائه أو ارتباطه أو تضامنه مع البعث ومجمل سياسات النظام السابق، والذي يشغل موقعه في مجلس النواب الذي يفترض على خلفية قانون الاجتثاث وتعديلاته ومواد الدستور الدائم أن لا يكون تحت قبة البرلمان أي شخص تفوح منه رائحة البعث، فكيف كان المطلك رئيسا لكتلة مهمة في البرلمان وكيف كان ظافر العاني ( الشهير بجوابه لمراسل العربية قبل سقوط النظام عن عدد الصواريخ العراقية المتبقية حيث قال: لدينا سبعة وعشرين مليون صاروخ، ويقصد كافة المواطنين العراقيين والمعنى واضح جدا ) والآخر الذي يتفاخر بانتمائه للبعث أمام مجلس النواب وعشرات آخرين من أمثالهم ومن الحاقدين على العراق الجديد واهم ثوابته وأساسياته في الديمقراطية والفيدرالية طيلة السنوات الخمس الماضية؟

والمثير في عملية الإقصاء أنها تزداد وتكبر مثل كرة الثلج حيث من المتوقع أن يصل العدد الى مئات من المسؤولين والموظفين الكبار والعسكريين والأمنيين في وزارتي الداخلية والدفاع، في واحدة من أهم عمليات التطهير والاعتقال التي أطلق عليها الشارع العراقي بالانقلاب على خلفية ما جرى قبل عدة أيام من منع للتجوال وانتشار واسع للقوات المسلحة بشقيها العسكري والأمني في مناطق معروفة بولائها لحزب البعث ومجموعة إياد علاوي والمطلك، والغريب إن مفهوم الانقلاب كان يستخدم دوما حينما تنقلب ثلة من المغامرين العسكريين في جنح الظلام لتستحوذ على السلطة والمال كما فعلها البعثيون مرتين في 63 و 68، بينما هذه المرة تم توظيف المفهوم الانقلابي بشكل مغاير تماما حيث تنقلب السلطة على بعض من أجزائها وموظفيها!؟

وفي كلتا الحالتين أو الصراعين هناك خلل واضح في طبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي في العراق بين مجاميع من الحركات والأحزاب والكتل السياسية في ما بينها ومع تشكيلات ترتبط بالماضي ومحاولة إعادته أو تصنيعه من جديد باستخدام آليات ووسائل واعتمادات، لشرعنة نشاط وفعل كل طرف من الأطراف في قوانين الاجتثاث والدستور تارة وشرعية المقاومة والاحتلال لإباحة العنف والإرهاب تارة أخرى، وبين هذا وذاك يتم صهر وإذابة الأهالي في بودقة العنف والعنف المضاد وما يلحقه من فاقة وبطالة وانحسار في الخدمات الأساسية وتقهقر في المستوى المعاشي والحضاري.

ويبدو إن عمليات الاجتثاث والإقصاء لم تشمل كل البعثيين بل حصدت مجموعة بعينها يصفها البعض بالجناح العلماني في حزب البعث والتي كانت ابعد مسافة عن صدام حسين مقارنة مع المجاميع الأخرى التي توصف هي الأخرى بالتشدد والشوفينية القومية والتطرف المذهبي وتتوافق مع أجندات داخلية للحكومة أو خارجية قريبة، وقد استبعدت من عمليات الاجتثاث والإقصاء، بل نالت كثير من الدعم والتأييد في انتخابات مجالس المحافظات في العام الماضي، كما حصل في الموصل وكركوك وديالى.

إن المراقب لعمليات الاجتثاث والإبعاد يخرج بحصيلة غير ايجابية لما يحصل فالعملية في مجملها تخضع لمزاجات ومحسوبيات الكتل والأحزاب الرئيسية التي تقصي من تريد وتبقي من تستفيد منه ومرور سريع على المشهد الرقمي عشية التاسع من نيسان على حجم الهيكل التنظيمي لحزب السلطة في العراق نرى جدولا يثير الرعب لأول وهلة ولكنه يبدو أكثر سهولة بعد التحقق من طبيعة معظم المنتمين الى صفوف ذلك الحزب، فقد ضم في صفوفه ما يقرب من ( 1200000 ) مليون ومائتي ألف عضو أي رفيق حزبي، يقابلهم ما يقترب من ( 32000 ) اثنين وثلاثين ألف عضو قيادة فرقة، يقودهم ( 6000 ) ستة آلاف عضو شعبة تقريبا، يخضعون لقيادة ما يقارب من ( 250 ) مائتين وخمسين عضو قيادة فرع في كافة محافظات العراق، ومع أعضاء القيادتين القطرية والقومية ومكاتبهما الرئيسية ( الإعلام والمهني والمنظمات والعسكري ) يصبح حجم هيكلهم اقرب الى ( 1240000 ) يتبعهم ما لا يقل عن ضعفهم من المؤيدين والأنصار وبحجمهم من المرتزقة والانتهازيين فيكون الرقم فعلا مثير للخوف والتوجس وأنت تفكر في اجتثاثه أو إلغائه بالكامل؟

إلا أن الحقيقة بعيدة كل البعد عن تلك الأرقام المثبتة على جداول وسجلات المسؤولين سابقا وحاليا عن الحجم التنظيمي لحزب البعث وحتى في تعريف البعثي نفسه، فالعراقيون يدركون كيف كان النظام يزج الناس في حزبه ويضطر أفواجا آخرين بالانتماء الى تنظيماته طلبا للماء والهواء والغذاء والتعيين، وليس كل من انتمى الى ذلك الحزب أصبح مجرما أو خارجا عن القانون لمجرد انه كان بعثيا حتى من أولئك الذين تقدموا في سلم المسؤوليات بحكم تراكم الزمن أو الموقع الإداري، وربما قادت هذه المعطيات والاستنتاجات الكثير من زعماء الأحزاب والحركات السياسية الفاعلة بعد السقوط الى السماح لبعض من قيادات البعث والمتعاونين معه الى الاشتراك في العملية السياسية وخصوصا إن الأمريكان يفضلون بعثا علمانيا مدجنا على الكثير من المتطرفين الآخرين (!).

وهكذا تأتي عمليات الاجتثاث بعد ما يقرب من سبع سنوات حركة سياسية متأخرة جدا لا يمكن تعريفها في أحسن الأحوال إلا كونها تصفية لحسابات انتخابية ربما لا علاقة لها بموضوع البعث الذي يفترض إن معظم قياداته انتهت إما الى السجن أو الإعدام أو الهروب والتورط في تعاملات مأجورة مع دول الجوار، وتشتت الآخرون الى أحزاب وفرق متناحرة تقتاد على بقايا أموال هُربت وسرقت من المال العام قبل سقوط بغداد، وما تبقى منهم أولئك الذين تم إيصالهم الى مجلس النواب أو الحكومة بواسطة القطار الأمريكي أو بعض عربات الأحزاب السياسية الرئيسية، والأكثرية لا علاقة لهم بأي شيء يذكر لأنهم أساسا كانوا متورطين في الانتماء لحزب السلطة كما ذكرنا إما لتعيين أو دراسة عليا أو قبول في جامعة أو ما الى ذلك.
ومن هنا تبرز أسئلة أكثر جدية أو ربما أكثر مرارة حول طبيعة المرشحين الى مجلس النواب وهل إن الشبهة والإقصاء يبقى محصورا فقط بالانتماء الى الحقبة السوداء وحزبها ومؤسساتها بصرف النظر عن الأمور الأخرى؟

وهل سيأخذون بنظر الاعتبار النزاهة المالية والمصداقية في التعامل والطهارة الاجتماعية ومدى صلاحية المرشح وطنيا وأخلاقيا؟
أم إن هذه الأمور مجرد ذنوب بسيطة أو شطحات لا تأثير لها على مستقبل البلاد وسمعة مؤسساتها البرلمانية والتنفيذية؟

وأخيرا إذا كانت كثير من مفاصل الدولة تعج بالمشبوهين سياسيا وماليا وتأهيليا واجتماعيا وأمنيا، فانه من الكارثة والمأساة والإحباط أن يكون مرجعنا في الحكم والتشريع مرتعا لمجموعات من أولئك المشبوهين والمرتشين بعد أكثر من ست سنوات من التجربة والممارسة.

فلنعمل جميعا من اجل برلمان خالٍ من المشبوهين؟

الدبابة الامريكية وقطار 63 ؟

يبدو أن التاريخ يعيد نفسه احيانا رغم عدم قناعة الكثير بهذه المقولة، ورغم ان الاعلام العربي عموما يصر دوما على امكانية استنساخ صفحات من التاريخ واستحضار معاركه وفوارسه في زمن الهزائم والانكسارات، واشاعة ذات الثقافة الاحادية والتلقينية التي يمارسها منذ عشرات السنين، وهي تمثل دوما عقلية وثقافة اولئك المتسلطين في النظام السياسي والاعلامي العربي عموما.

وليس ببعيد عن الاذهان ما حصل في العراق منذ ما يقرب من نصف قرن من تشويه للحقائق وايهامات للرأي العام من خلال شعارات براقة ومثيرة، تداعب هواجس العامة من الاهالي الذين تعشش الامية الابجدية والحضارية في ادمغة اكثر من سبعين بالمائة منهم في ستينات القرن الماضي وحتى سنوات متأخرة منه، حيث اكثر من ثلث السكان البالغين ما زالوا اميين، وقد عملت معظم وسائل الاعلام التي كانت تسيطر عليها الانظمة السياسية على تسطيح عقول الناس واستغفالهم وارهابهم من خلال اشاعة العدو المفترض الذي ينوي تدمير البلاد والعباد، وكأنهم جميعا مسؤولين سياسيين واعلاميين دون استثناء قد ذاكروا وتتلمذوا على تفاصيل رواية ( 1984 )* لجورج اورويل وجمهوريته العتيدة ورئيسه القائد (Big brother ) الذي تنتشر جداريات صوره في كل مكان من الجمهورية التي تقاوم الاستعمار والامبريالية العالمية؟

والغريب حد الذهول انهم امتداد لذلك العدو المفترض، بل انهم في كثير من تفاصيل وجودهم وحقيقتهم منفذين جيدين لبرنامج الطرف الاخر وراء الكواليس، حيث ينفذون بدقة تعاليم عرابهم وفلسفته كما كان يفعل خنازير ( مزرعة الحيوان أو حقل الحيوان )* في تعاملهم السري مع البشر خارج مملكتهم ضد بقية افراد المملكة او الحقل على حد وصف اورويل في تلك الرواية الشهيرة، وليس ببعيد عن اذهاننا كل تلك التجارب المريرة والمأسي الكارثية التي نفذتها تلك الانظمة الاستبدادية في بلاد كان يمكن أن تكون بحق سويسرا الشرق لو كانت بأيدي ابنائها العقلاء والمخلصين.

لقد اثبتت الايام والاحداث طيلة ما يقرب من نصف قرن تحالف تلك الانظمة التي توالت على حكم البلاد مع الشياطين اينما كانوا بروح ميكافيلية بشعة، ولعل العودة قليلا الى ما حدث بعد تموز 1958م يؤكد تلك الشراكة الاستراتيجية بين تلك القوى وبين العدو المفترض الذي يتحدث عنه جورج اورويل في جمهورية الاخ الاكبر أو ( الرئيس الضرورة ) التي لاتعطي الافراد او الاشخاص اهمية ازاء المواقف النهائية بين الطرفين، وهنا يأتي قطار 63 الامريكي ليحمل في عرباته الحلفاء الذين صنعوا رواية العدو المفترض واشاعوها في الاعلام ووسائل تثقيفهم منذ ذلك الحين وحتى دخول ممثلهم الى تلكيف ممتطيا الدبابة الامريكية بدلا من القطار الذي أقل اسلافهم في مطلع الستينات من القرن الماضي؟
حينما بانت تلك اللقطات التي اظهرت محافظ الموصل تتقدمه دبابة امريكية ومجاميع من القوات المحتلة ( المارينز الامريكي ) تحيط موكبه من كل الجوانب وهو يقتحم صفوف المئات من اهالي مدينة تلكيف المدنيين ومعظمهم من الطلبة والفلاحين والعمال والمعلمين والكسبة، الذين رفضوا زيارته واشبعوه ضربا وحلفائه بالحجارة والوحل والفاسد من الخضراوات والبيض، تذكرت باشمئزاز تلك الازدواجية المثيرة للتقزز وهم يعلنون لناخبيهم ايام انتخابات 2005م وما تلاها من انتخابات لمجالس المحافظات معاداتهم للاحتلال والمتعاونين معه ووعودهم بتحرير الموصل من المحتلين الامريكان والاكراد (!) حتى اصبحت ( سولة – عادة ) معاداة الاكراد تذكرنا بمعاداة السامية التي ارعبت الدولة العبرية فيها كل العالم لتحقيق مآربها دوليا واعلاميا، واستخدمتها تلك القوى في الموصل للوصول الى دفة الحكم كما وصل الاسلاف في قطار 63 ذات يوم غابر؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• رواية 1984 : من تأليف جورج أورويل قدمها في عام 1949 والتي كان يتنبأ من خلالها بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا توفر أحلامهم وطموحاتهم بل تحولهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، حيث يمثل حكمه الحكم الشمولي.
• رواية مزرعة الحيوانات أو حقل الحيوان: من تأليف جورج أورويل التي كتبها في عام 1945 وفيها تنبأ بانهيار الاتحاد السوفيتي.