الجمعة، 18 يونيو 2010

اقليم كردستان والتحديات الاعلامية؟

اقليم كُردستان والتحديات الاعلامية؟

 

كفاح محمود كريم

 

   لا ازعم ان اقليم كردستان واحة سويسرية او اصبح ينافس دول  الاراضي المنخفضة شمال اوربا، رغم ان الكثير يتمنى ويعمل من اجل ذلك طيلة السنوات الماضية من عمر الاستقلال الذاتي، لكنني اجزم بان تجربته ربما تتجاوز كثير من تجارب الاخرين في المنطقة تحت تلك الظروف المعروفة والتي مر بها الاقليم وفعالياته السياسية وقياداته ومؤسساته الديمقراطية وتحدياتهم لتلك الظروف القاهرة بما فيها الحرب الاهلية التي اشتعلت لتدمير البلاد والعباد.

 

   وهنا علينا ان نتوقف قليلا عند خيارات شعب تحرر للتو من دكتاتورية مقيتة خارجا من حروب عديدة، وما يزال يأن من جروحه الغائرة بسبب الحرب الكيمياوية والانفالات، وفي ظروف نادرة من القسوة بسبب الحصار المزدوج من قبل الامم المتحدة والعراق ومعظم دول الجوار الا ما ندر، ورغم ذلك كان الاختيار الديمقراطي والامتثال لرأي الشعب ومن ينتخبهم في اول انتخابات حرة جرت في البلاد بعيد الانتفاضة عام 1992م هو الخيار الاكثر تقدما لأنتاج مؤسسات ديمقراطية منتخبة كالبرلمان والحكومة الاقليمية ومن ثم مجموعة التشريعات والقوانين التي نظمت حركة الحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وبالذات التشريعات المتعلقة بالمرأة والاحوال الشخصية وحرية الصحافة وحقوق الصحفيين والكتاب والاعلاميين، والتحديثات الكثيرة التي شملت اساليب التربية والتعليم ومناهجها.  

 

  لقد رافق تلك العملية الكبيرة في التغيير الاجتماعي والسياسي فورة اعلامية وفيض واسع من الصحف والاذاعات والتلفزيونات التي انتجت المئات من الصحفيين والاعلاميين الذين عملوا في ظروف قاسية وصعبة للغاية بسبب الحصار المزدوج الذي طال حتى القلم والورقة والفلم والكاميرا والمايكرفون، الى جانب العمل تحت ظروف اقتصادية غاية في التعقيد وفي مقدمتها أن يعمل الصحفي والاعلامي او الفني والموظف دون معاش لأشهر كثيرة.

 

    لا ادعي وربما مثلي الكثير ان اقليمنا هو النموذج الذي نطمح اليه، اننا فعلا نطمح ان يكون اقليمنا هذا ينافس من ذكرتهم في مطلع مقالي هذا في الديمقراطية والصحافة والاعلام والسياحة والزراعة والصناعة والصيرفة، لكنني اجزم ومعي جمهرة من الكتاب والصحفيين والاعلاميين المستقلين منهم والحزبيين ان مساحة الحرية في الرأي والتعبير واحترامهما تكاد تتجاوز مثيلاتها في كل دول الجوار قاطبة وهذا ايضا ليس طموحنا باعتبار ان معظمها اي دول الجوار من جماعة الرأي الاوحد؟

 

    لقد دأبت بعض وسائل الاعلام العراقية والعربية وغيرها من صحافة وتلفزيون على النظر الى الاقليم من خلال مايكروسكوبات مدعمة بمواقف مسبقة وصور قاتمة وتحريات ذات نيات سلبية مبطنة للعثور على خطأ هنا أو تجاوز هناك للانطلاق به الى فضيحة كبرى او كارثة اعلامية او سياسية على غرار ما جرى في التعامل مع موضوع تغيير شكل العلم العراقي قبل عدة سنوات ومع موضوع رفع العلم العراقي اثناء زيارة الرئيس بارزاني الى انقرة وقبلها في التطبيل والتزمير لحادثة الشاب المغدور سردشت عثمان ومحاولة توظيفها سياسيا، متناسية ان الاقليم يتمتع بقانون للصحافة وحرية التعبير لا ينافسه أي قانون في المنطقة، بل ان الرئيس بارزاني اعاده الى لجنة الصياغة من جديد قبل تشريعه للحصول على اكبر مساحة للرأي والحقوق التي تحمي الصحافي والكاتب والاعلامي. 

 

   واكثر ما يثير السخرية بل والاشمئزاز احيانا من هذا النمط من الاعلام الاسود هو ان ترى اقلاما معروفة بالامعية والعبودية تكتب سيناريوهاتها عن قصة مختلقة بشكل بائس وساذج عن حرية الصحافة والتعبير في الاقليم الذي يعرفه الداني والقاصي من مناضلي العراق وحرية الكلمة والرأي الذين عاشوا سنوات طويلة منذ اندلاع ثورة ايلول وحتى يومنا هذا، عربا كانوا ام كردا، تركمانا ام آشوريين وكلدان، حيث كان ملاذا آمنا  للاحرار والهاربين من جور الدكتاتوريات والارهاب والطائفية، هذا الاقليم الذي اسس اول واحة للحرية والديمقراطية في بحيرة من الدكتاتورية والاستبداد والارهاب منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا لكل العراقيين على حد سواء.

 

     ان واحدة من اهم التحديات التي تواجه الاقليم اليوم هي التحديات الاعلامية وتحديدا وسائل مخاطبة الرأي العام العربي المقروءة والمسموعة والمرئية التي تكاد تكون معدومة الا من بعض الوسائل المحلية المحدودة جدا، ولذلك نرى ان الاقليم احوج ما يكون الى البدء بتأسيس هيئة او مؤسسة للارسال والبث تضم عدة وسائل اعلامية  تلفزيونية واذاعية وصحافية باللغة العربية موجهة للرأي العام العراقي والعربي كبداية لتأسيس ارسال وبث بلغات حيوية اخرى، تأخذ على عاتقها ايصال الخطاب الكوردستاني السياسي والثقافي والاجتماعي والاعلامي الى الرأي العام في المحيط العربي والعالم. 

 

 

kmkinfo@gmail.com

 

الثلاثاء، 8 يونيو 2010

الصراع على كرسي الحلاق؟

الصراع على كرسي الحلاق؟

 

كفاح محمود كريم

 

    يطلق العراقيون اسم كرسي الحلاق على اي مسمى له علاقة في الادارة وشخص المدير تحديدا، ابتداء من مدير دائرة بسيطة وحتى كرسي الرئاسة التي دفع العراقيون خيرة شبابهم فداء لأنقلابات دموية قاتلة منذ اكثر من نصف قرن، وربما كان المصطلح اكثر شيوعا وشمولا لمدراء الدوائر الملامسة لحاجات وخدمات المواطن اكثر من موقع الرئيس خوفا من المسائلة التي تصل الى فصل الرأس عن الجسد حسب اخر قانون اصدره مجلس قيادة الثورة السابق باعدام كل من يتعرض لذات الرئيس علانية، ولعل كرسي الحلاق هذه التي جلس عليها الرئيس الاسبق صدام حسين ودفع فاتورتها حياته وحياة اولاده واسرته والملايين من العراقيين الابرياء الذين اكتووا بنار تلك المزايدات الدموية على ذلك الكرسي الرخيص، كانت اخر الكراسي المثيرة والمعمدة بدماء مئات الالاف من الكورد والعرب الشيعة والسنة الذين صنع البعث من جماجمهم وهياكلهم العظمية اطراف واعمدة تلك الكرسي التي انهارت مع من كان يجلس عليها في واحدة من ابشع سقوطات المدن والدول على ايدي قادتها الحمقى.

 

   لقد كان وما يزال الموروث الشعبي ونبض الاهالي يشرع اعرافا واحكاما وامثالا تفعل فعلتها في الرأي العام اكثر مما تفعله كثير من القوانين والتشريعات واجهزة الاعلام التي تزمر وتطبل لفرسان الكراسي في كل زمان ومكان، وفي هذا التشبيه البليغ لكرسي الحكم على مختلف تسمياته ومستوياته في المسؤولية، رسالة واضحة او اشارة جرسية رنانة للجالس عليه ان لا ينسى كرسي الحلاق التي يتعاقب الزبائن على الجلوس عليها طيلة النهار دون أن تكون ملكا لأحدهم بعد حلق رؤوسهم ودفع اجور ذلك الجلوس؟

 

  ان البلاد تمر اليوم وبعد سبع سنوات من انهيار وسقوط ذلك النظام الذي اصر على امتلاك كرسي الحلاق ومصادرته من مالكه الاصلي في تجاذبات وصراعات تفوح منها رائحة تلك الثقافة البائسة في ما يتعلق بكرسي الحلاق التي دفع الاهالي لأجل استحواذ بعض الجالسين عليها ثمنا باهضا من حياتهم وفرص تقدمهم الاجتماعي والاقتصادي التي كانت رهينة ذلك الكرسي القاتل، واذ يعتقد البعض ان هذا الكرسي ثابتا وابديا له ولا يكون لغيره فليراقب محل اي حلاق ويشاهد الزبائن المحلوقة وهي تغادر كرسيها شاكرة ممنونة؟ أو لينظر الى كراسي الرئيس الضرورة وقبله ادوولف هتلر ودكتاتور ايطاليا واسبانيا وصربيا وفرسان وضحايا الانقلابات في عالمنا الثالث المتخم بالكوليسترول السيئ والشحوم الثلاثية سيئة الصيت، الدكتاتورية والفقر والجهل؟

 

   علينا تماما ان ندرك هذا المثل الجميل ومنه نستنتج وظيفة كرسي الحلاق ونقيس عليها كل كراسي الحكم والادارة من ادق دوائرها وحتى حلقاتها الاوسع في الادارات العامة والوزارات ورئاسة الحكومة والجمهورية والبرلمان والبقاء للاصلح ولله تعالى!

 

kmkinfo@gmail.com

 

  

 

الجمعة، 4 يونيو 2010

العراق وعملية ترييف المدن؟

العراق وعملية ترييف المدن؟

 

 

كفاح محمود كريم

 

     بعيدا عن مفهوم التحضر Urbanisation في الانتقال من الريف إلى المدينة وما يترتب على ذلك من تغير في خصائص السكان الريفيين على مستوى العادات والتقاليد باتجاه المجتمع المدني، حيث ينطوي مفهوم التحضر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية ترافق عملية الانتقال أو تليها بعد حين، وهو أي التحضر نقيض عملية الترييف التي حولت المدن الى مجتمعات ريفية قروية بكل تقاليدها وعاداتها وسلوكياتها.

     

   وربما كانت هناك محاولات لأحداث عمليات تحضر في بعض المدن العراقية من خلال برامج اولية لم ترتق الى برنامج وطني كبير وان البعض حاول في اول عقد السبعينات من القرن الماضي إحداث هجرة معاكسة للقرويين الى قراهم إلا أن العملية باءت بالفشل لاعتماد مفاصل مهمة من النظام آنذاك على تصورات مناقضة تماما لذلك التوجه.

 

   إذاَ نحن هنا أمام عمليتين متعارضتين تماما:

عملية التحضر ويقابلها من الجهة الأخرى عملية الترييف، أو بلغة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber  الذي يقول عنهما:

 ( إننا بصدد نموذجين متضادين من القيم والسلوكيات وأشكال التنظيم وأنماط الفعل والتأثير والتدبير..)، نموذج التحضير والذي يؤكد مركزية المدينة وهيمنتها، بكل ما يعنيه ذلك من نشر وانتشار للقيم الحضرية واكتساحها للمجال، ونموذج الترييف الذي تستحيل معه المدينة كفضاء إلى مجرد حاضنة لإعادة تفريخ وإنتاج نفس القيم والعلاقات القروية.

 

    وهذا ما حصل فعلا حيث برزت عملية ترييف المدن  Ruralization منذ بدايات قيام الدولة العراقية وظهور النفط وتأسيس بعض معامل الطابوق حول المدن والتي تسببت في هجرة عشوائية لمجاميع من فقراء الأرياف القريبة منها الى أطرافها، طلبا للعمل او هروبا من ضنك العيش وتخلف الحياة ووسائلها في تلك الارياف، الا انها اصبحت اكثر انتظاما وتوجيها قبيل اسقاط النظام الملكي وبعد قيام الجمهورية، حيث بدأت بالظهور مجموعات سكنية ريفية على شكل احزمة من الصفيح والصرائف حول كثير من المدن الكبيرة في انحاء العراق وبالذات العاصمة بغداد والمراكز الصناعية والتجارية والبترولية مثل البصرة والموصل وكركوك، ومع التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي افرزه تغيير النظام الملكي وقيام الجمهورية بدأت ظاهرة الهجرة من الريف الى المدن بشكل عام تتضاعف حتى تمت برمجتها وتوظيفها لخدمة انظمة الحكم القائمة بعد انقلاب 8 شباط عام 1963م وبالذات في كركوك والموصل وديالى وبلداتهم من اجل إحداث تغيير ديموغرافي في التركيبة السكانية لتلك المدن لصالح عرق معين او قومية معينة، مما تسبب في خلق صراعات اجتماعية وسياسية حادة ومشاكل عقارية وزراعية كبيرة ادت الى تعقيدات سلبية بين مكونات البلاد القومية والعرقية والدينية وتخلف كبير في البرامج الإنمائية الخاصة بتلك المدن والبلاد عموما.

 

   لقد اعتمد النظام السابق وحزبه على آلية عسكرية وامنية تمخضت عن نقل مئات الآلاف من القرويين المتطوعين في الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية الخاصة والمرتبطة بقيادة الحزب الحاكم آنذاك، إضافة الى عشرات الآلاف من أبناء العشائر التي استقدمت الى تلك المدن وحولها على شكل أحزمة أمنية او تجمعات زراعية عسكرية من قرى وأرياف الجنوب والوسط الى مراكز تلك المدن وأطرافها حيث تم توزيع قطع الاراضي والقروض والتسهيلات لبناء تلك القرى والأحياء التي استحدثت لهم تحت مختلف التسميات وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

  ( أحياء الرفاق والبعث والعقيدة و7 نيسان و17 تموز والميثاق والتحرير وصدام والنصر والصداميات والوحدة والزراعة والاصلاح الزراعي والقادسية والشهداء... )

   وعشرات من هذه الأسماء المعروفة في كل المدن العراقية، حيث يشكل أبناء الريف والقرى الأغلبية الساحقة منهم وبالذات من العسكريين ومنتسبي الأجهزة الخاصة وحزب السلطة الذين شكلوا احزمة قروية وبدوية حول معظم المدن العراقية وبالذات بعد منتصف السبعينات وحتى سقوط النظام.

 

   وقد رافق هذه العملية نقل كلي لموروثات الريف وسلوكياته وانماط العيش فيه من عادات وتقاليد الى تلك الاحياء التي بقت تعاني لحد هذا اليوم من الفارق الكبير بينها وبين المدينة الاصلية اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسلوكيا مما ادى الى ظهور احساس بوجود طبقتين في كل مدينة من المدن العراقية من غير نظام الطبقات المعروف اجتماعيا واقتصاديا، وهما طبقة المدينيين ( أي سكان المدينة الاصليين ) وطبقة القرويين او الريفيين الذين قدموا من القرى والارياف، مع ما يعني هذا الاحساس من توصيف لكل طبقة في السلوك والثقافة والاداء اليومي في الحياة بل والتباعد النفسي والاجتماعي احيانا بينهما.

 

   أن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي احتدمت بعد انتكاسة الثورة في كردستان العراق اثر الاتفاق العراقي الإيراني في آذار 1975م وتنازل حكومة بغداد آنذاك عن كثير من الأراضي والمياه العراقية مقابل غلق الحدود وإيقاف الدعم للثوار الكرد، ومن ثم اشتعال الحرب العراقية – الإيرانية بعد خمس سنوات من الاتفاقية وما أعقبها من تناقضات حادة، ثم في أعقاب حرب الخليج 1990-1991، وما أعقب ذلك من حصار اقتصادي على العراق، كل ذلك أدى إلى نشوء وضع معقد يكاد أن يكون فريدا في مواصفاته في المنطقة والعالم:

  دولة شمولية ضعيفة خارجيا ومستأسدة داخليا، ومجتمع مدني منهك محروم تماما من منظماته ومؤسساته تضمحل مع تقهقره المواطنة، وتشضي كبير في بنية المجتمع المديني بالذات، وهيمنة ثقافة القرية والبداوة بشكل يكاد يخفي تماما مظاهر المدينة وتقهقرها ازاء عملية الترييف الحاصلة، واستبدال الهوية الوطنية بالانتماء العشائري او المناطقي.

 

  في هذا الوضع المعقد والمشحون بالترقب والخوف تشوهت كثير من المعاني والمفاهيم وتقزمت معظم المدن الى قرى صغيرة في سلوكيات سكانها، وتقهقرت مظاهر التمدن ازاء الطوفان الريفي والقبلي، حيث نمت شبكات العلاقات القروية والبدوية على اسس الانتماء العشائري والمناطقي وبقية أشكال التنظيم القبلي بمساعدة ودعم مطلق من النظام وحزبه ومؤسساته، الذي اختزل مفهوم الوطن بالقرية والشعب بالعشيرة، لتسدّ مسدّ مجتمع مدني مغيَب وطبقة متوسطة شبه ملغاة، حيث برزت انسجة التضامن المحلي في صورة إعادة تنظيم للمكونات الاجتماعية حول الجوامع والشخصيات الدينية وشيوخ العشائر ووجهائها الذين شجعتهم الدولة على الإحلال في مفاصل ادارية مهمة لتقديم خدمات الأمن والقضاء القائم على الأعراف بعد تعطل أجهزة القضاء والشرطة، علاوة على التكافل الاجتماعي من خلال ما اطلق عليه في حينها بمشاريع مساعدة الأسر المتعففة في غياب أي دور مهم للدولة؟ 

 

   لقد وصلت عملية ترييف المدن الى ذروتها عشية احتلال العراق وسقوط نظامه السياسي الذي انتج تلك العملية وما رافقها من تشويه لهوية المدن العراقية التي غلب عليها الطابع الريفي والقبلي بكل ما تعنيه المفردة من عادات وتقاليد وسلوكيات، وغدت هوية تلك المدن محصورة او مدفونة في مقابرها التي تعطي صورة حقيقية عن تركيبة سكانها، وعلى الجانب الآخر المتعلق بالشخصية الوطنية فقد تم اختزال المواطنة الى انتماء قروي او عشائري تم تكريسه للحفاظ عن طبيعة النظام وشخص رئيسه من خلال ربط تكوينات تلك العشائر وشيوخها بدائرة تتبع رئاسة الجمهورية هي المسؤولة عن العطايا والهدايا ومعاشات اولئك الشيوخ ووجهاء العشائر اضافة الى دائرة الانساب والاصول، اما رجال الدين فقد  تم تنظيم معظمهم في تنظيمات اطلق عليها في حينها بلجان التوعية الدينية في المحافظات والاقضية والتي تحولت الى خطب منبرية اسبوعية تكتفي بالدعاء للقائد وتمجيده؟

 

   إن انهيار الدولة وسقوط نظامها وغياب أي مظهر من مظاهر السلطة التي تقزمت الى قرى وعشائر طيلة اكثر من عقدين من الزمن تسببت في تغييب وتشويه معنى المواطنة، والتي ادت الى تلك الهجمة البربرية على كل منشآت الدولة ومخازنها ودوائرها ومؤسساتها في اكبر عملية نهب وسلب وسرقة في وضح النهار وأمام عدسات الكاميرات وقوات الاحتلال، اضافة الى مضاعفة الانتقال والهجرة من الارياف والقرى الى مراكز المدن واطرافها والاستحواذ على منشآت الدولة من معسكرات ومخازن ودور وملاعب للسكن، والتي تحولت هي الاخرى بسب نفس الظروف الى مجمعات قروية وعشائرية تلتف خلف شيخ العشيرة او رجل دين او وجيه متمكن مما فاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والامنية بشكل لم تنجح الدولة ومؤسساتها من السيطرة عليها الا في زوايا ضيقة وظاهرية.

 

   ان هذا الترييف الموجه وغير الموجه احدث خللا كبيرا وخطيرا في بنية المجتمعات العراقية ومناطق استيطانها وبالذات بعد سقوط النظام، حيث النزوح الكبير من القرى والبلدات الصغيرة الى مراكز المدن ونشوء مجمعات كبيرة بنيت على اراضي مملوكة للدولة زراعيا او بلديا في تجاوز واضح على خلفية التعامل معه لاحقا كواقع حال وتمليك تلك المباني للمتجاوزين او تعويضهم بمبالغ كبيرة؟   

 

    يعتقد كثير من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين للاوضاع العراقية ان التعجيل في اجراء تعداد عام للسكان سيضع معلومات مهمة وخريطة واضحة للتركيبات السكانية واحصاءات تسهل الحلول المطروحة لكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتؤشر حجم النازحين والمهاجرين من النواحي والقرى والارياف الى مراكز المدن واطرافها في ظاهرة الترييف للمدن العراقية عموما، اذا ما اعتمدت استمارات علمية ومهنية دقيقة تتضمن مجاميع من الاسئلة المرنة عن سنوات الهجرة من الريف الى المدن. وبالذات تلك الاسئلة التي تحدد او تؤشر حجم النزوح خلال السنوات السبع الماضية، اضافة الى اسئلة تحدد حجم التغيير الديموغرافي في كثير من مناطق العراق على اسس طائفية وعرقية كما حصل في العاصمة واطرافها وبابل والرمادي والنجف وكربلاء وفي كردستان العراق وتحديدا في كركوك والموصل وديالى واربيل ودهوك والتي تسببت في اشكاليات حادة تعاني منها البلاد حتى يومنا هذا.   

 

kmkinfo@gmail.com

السبت، 22 مايو 2010

ترييف المدن؟

العراق وعملية ترييف المدن؟

 

1-2

كفاح محمود كريم

 

     بعيدا عن مفهوم التحضر Urbanisation في الانتقال من الريف إلى المدينة وما يترتب على ذلك من تغير في خصائص السكان الريفيين على مستوى العادات والتقاليد باتجاه المجتمع المدني، حيث ينطوي مفهوم التحضر على أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية ترافق عملية الانتقال أو تليها بعد حين، وهو أي التحضر نقيض عملية الترييف التي حولت المدن الى مجتمعات ريفية قروية بكل تقاليدها وعاداتها وسلوكياتها.

     

   وربما كانت هناك محاولات لأحداث عمليات تحضر في بعض المدن العراقية من خلال برامج اولية لم ترتق الى برنامج وطني كبير وان البعض حاول في اول عقد السبعينات من القرن الماضي إحداث هجرة معاكسة للقرويين الى قراهم إلا أن العملية باءت بالفشل لاعتماد مفاصل مهمة من النظام آنذاك على تصورات مناقضة تماما لذلك التوجه.

 

   إذاَ نحن هنا أمام عمليتين متعارضتين تماما:

عملية التحضر ويقابلها من الجهة الأخرى عملية الترييف، أو بلغة عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber  الذي يقول عنهما:

 ( إننا بصدد نموذجين متضادين من القيم والسلوكيات وأشكال التنظيم وأنماط الفعل والتأثير والتدبير..)، نموذج التحضير والذي يؤكد مركزية المدينة وهيمنتها، بكل ما يعنيه ذلك من نشر وانتشار للقيم الحضرية واكتساحها للمجال، ونموذج الترييف الذي تستحيل معه المدينة كفضاء إلى مجرد حاضنة لإعادة تفريخ وإنتاج نفس القيم والعلاقات القروية.

 

    وهذا ما حصل فعلا حيث برزت عملية ترييف المدن  Ruralization منذ بدايات قيام الدولة العراقية وظهور النفط وتأسيس بعض معامل الطابوق حول المدن والتي تسببت في هجرة عشوائية لمجاميع من فقراء الأرياف القريبة منها الى أطرافها، طلبا للعمل او هروبا من ضنك العيش وتخلف الحياة ووسائلها في تلك الارياف، الا انها اصبحت اكثر انتظاما وتوجيها قبيل اسقاط النظام الملكي وبعد قيام الجمهورية، حيث بدأت بالظهور مجموعات سكنية ريفية على شكل احزمة من الصفيح والصرائف حول كثير من المدن الكبيرة في انحاء العراق وبالذات العاصمة بغداد والمراكز الصناعية والتجارية والبترولية مثل البصرة والموصل وكركوك، ومع التغيير الاجتماعي والاقتصادي الذي افرزه تغيير النظام الملكي وقيام الجمهورية بدأت ظاهرة الهجرة من الريف الى المدن بشكل عام تتضاعف حتى تمت برمجتها وتوظيفها لخدمة انظمة الحكم القائمة بعد انقلاب 8 شباط عام 1963م وبالذات في كركوك والموصل وديالى وبلداتهم من اجل إحداث تغيير ديموغرافي في التركيبة السكانية لتلك المدن لصالح عرق معين او قومية معينة، مما تسبب في خلق صراعات اجتماعية وسياسية حادة ومشاكل عقارية وزراعية كبيرة ادت الى تعقيدات سلبية بين مكونات البلاد القومية والعرقية والدينية وتخلف كبير في البرامج الإنمائية الخاصة بتلك المدن والبلاد عموما.

 

   لقد اعتمد النظام السابق وحزبه على آلية عسكرية وامنية تمخضت عن نقل مئات الآلاف من القرويين المتطوعين في الجيش والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية الخاصة والمرتبطة بقيادة الحزب الحاكم آنذاك، إضافة الى عشرات الآلاف من أبناء العشائر التي استقدمت الى تلك المدن وحولها على شكل أحزمة أمنية او تجمعات زراعية عسكرية من قرى وأرياف الجنوب والوسط الى مراكز تلك المدن وأطرافها حيث تم توزيع قطع الاراضي والقروض والتسهيلات لبناء تلك القرى والأحياء التي استحدثت لهم تحت مختلف التسميات وعلى سبيل المثال وليس الحصر:

  ( أحياء الرفاق والبعث والعقيدة و7 نيسان و17 تموز والميثاق والتحرير وصدام والنصر والصداميات والوحدة والزراعة والاصلاح الزراعي والقادسية والشهداء... )

   وعشرات من هذه الأسماء المعروفة في كل المدن العراقية، حيث يشكل أبناء الريف والقرى الأغلبية الساحقة منهم وبالذات من العسكريين ومنتسبي الأجهزة الخاصة وحزب السلطة الذين شكلوا احزمة قروية وبدوية حول معظم المدن العراقية وبالذات بعد منتصف السبعينات وحتى سقوط النظام.

 

   وقد رافق هذه العملية نقل كلي لموروثات الريف وسلوكياته وانماط العيش فيه من عادات وتقاليد الى تلك الاحياء التي بقت تعاني لحد هذا اليوم من الفارق الكبير بينها وبين المدينة الاصلية اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وسلوكيا مما ادى الى ظهور احساس بوجود طبقتين في كل مدينة من المدن العراقية من غير نظام الطبقات المعروف اجتماعيا واقتصاديا، وهما طبقة المدينيين ( أي سكان المدينة الاصليين ) وطبقة القرويين او الريفيين الذين قدموا من القرى والارياف، مع ما يعني هذا الاحساس من توصيف لكل طبقة في السلوك والثقافة والاداء اليومي في الحياة بل والتباعد النفسي والاجتماعي احيانا بينهما.

 

 

 

kmkinfo@gmail.com

الأربعاء، 12 مايو 2010

المرأة في البرلمان العراقي؟

المرأة في البرلمان العراقي؟

 

    واحدة من اهم ما افرزته هذه المرحلة واحداثها وتحديثاتها وما صاحب عملية التغيير الحادة لنظام الحكم وكل ما يتعلق به من انظمة وقوانين، وما تم تثبيته في الدستور الدائم وتم تنفيذه منذ انتخابات الدورة الاولى في كانون ثاني 2005م، وهو نسبة عدد المقاعد في مجلس النواب العراقي المخصصة للنساء والتي حددت بما لا يقل عن 25% من المقاعد الكلية للبرلمان واكثر من ثلاثين بالمئة في برلمان اقليم كردستان العراق.

 

   وقد شهدنا خلال السنوات الاربع المنصرمة نوعية من شغل تلك المقاعد المخصصة للنساء ومستوى الاداء والدور الذي وصفه الكثير من المراقبين بانه لا يمثل بشكل مرضي الهدف الاساسي من تشريعه، بل ان الكثير من الناشطات في مجال حقوق النساء اتهموا الاحزاب والكتل السياسية باستغلال هذا التشريع الخاص بالمرأة لتحقيق اكبر عدد من المقاعد دون الاهتمام بقضيتها وحقوقها والاسباب الموجبة لتشريعه، وتبرز هنا الكثير من التساؤلات حول وظيفة هذا العدد من النساء في مجلس النواب والذي يفترض ان يكون على خلفية التشريع متناسبا مع نسبتهن في المجتمع، أي اكثر من الربع بكثير وما يقرب النصف من عدد المقاعد الكلية او يفوق  مقارنة مع الهدف الاساسي الذي من اجله وبواسطته ذهبن الى هناك، وباستثناء عدد لا يتجاوز اصابع الكف الواحدة (ربما) من مجموعة عضوات المجلس لهذه الدورة، فان الباقيات منهن انما ذهبن لارادات لا علاقة لها بالمرأة اطلاقا حالهم حال بقية الرجال ليس الا، كما حصل في الدورة الاولى وما شهدناه طيلة اربع سنوات.

 

    وبقراءة سريعة للمشهد خلال الدورة الاولى للمجلس وبالذات للمرأة هناك ودورها ووظيفتها على خلفية الاهداف والاسباب الموجبة في تشريع وتحديد تلك النسبة ( بما لا يقل عن الربع من الكل ) نرى تناقضا كبيرا بين الاداء الفعلي لتلك المجموعة من النساء والغاية المرجوة على خلفية احداث متغير اجتماعي كبير بتحديد تلك النسبة ووجودها، حيث استخدمت كثير من الاحزاب والكيانات السياسية ذلك التشريع وبالذات في الانتخابات الاخيرة لزيادة عدد مقاعدها على حساب النوعية ودفعت اعداد كبيرة من النساء اللاتي لا يمثلن ارادة المشرع اساسا، وهن بالتالي أي تلك الاعداد من النساء تم استخدامهن كادوات او وسائل لتحقيق نسب اكبر للرجال اذا صح التعبير في نتائجه الاخيرة ليس الا؟

 

   واذا ما استثنينا النسوة اللاتي خضن الانتخابات بجدارة اذهلت الكثير في نتائجها لكونها جاءت تمثل نبض النساء وعمق الاحساس الحقيقي لدى المجتمع في ايصال مستويات رفيعة منهن الى البرلمان ليمثلن ارادة المرأة في الانعتاق والتحرر، فان العديد من الكيانات والاحزاب والحركات انما دفعت الكثير من المرشحات لاشغال اكبر عدد من المقاعد على حساب المرأة واهدافها والاساءة الى مبدأ التحديد والنسبة والغرض من التشريع اساسا؟

 

    فاذا كانت هذه الاعداد من النسوة لا تتميز عن اقرانها من الرجال في الاداء البرلماني كنوع سياسي واجتماعي من اجل تحقيق الغاية المرجوة من تشريع هذه النسبة، فلماذا تحصل الكيانات السياسية على مقاعد سهلة باقل من حجمها الحقيقي، بل وبأقل من خمسة الاف صوت في مناطق معدلها الوطني لم يقل عن ثلاثين الف صوت للمقعد، الا باستخدام هذا السلم، او الكوتة كما يطلقون عليها؟

 

   ان تحديد نسبة النساء في المجلس وفرضه بقانون انما يعني احداث تغييرات مهمة في المجتمع وفي دور المرأة وبنية المؤسسات القائدة اجتماعيا وسياسيا وبالذات في اعلى مؤسسة تشريعية في البلاد وهي مجلس النواب لا الى ارسال مجاميع من النسوة لزيادة عدد المقاعد والامتيازات وهن لا يفرقن عن الرجال الا بملابسهن!؟ 

 

kmkinfo@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 27 أبريل 2010

لكي لا يفسد الملح؟

لكي لا يفسد الملح؟

 

كفاح محمود كريم

 

     منذ ما يقرب من قرن من الزمان ومعظم النخب السياسية في منطقتنا بما فيها تلك المجموعات ذات النهج الشمولي او الاستبدادي سواء ما كان منها في الاحزاب او الحركات او الانظمة الحاكمة، تتغنج او تتباهى او في حالة اضعف الإيمان تدعي انها تعمل من اجل الديمقراطية، وفي كل تلك الايهامات ومحاولة الالتفاف على المعاني الحقيقية للديمقراطية تعمل تلك القوى او الانظمة على الابتعاد عن جوهر واساس النهج الديمقراطي في التداول السلمي للسلطة وقبول الآخر المختلف سواء كان في المعارضة او على سدة الحكم، بما يبتعد تماما عن ثقافة العنف والإقصاء والتهميش وملحقاتها في المخاتلة والانتهازية والتآمر والمراوغة.

 

     لقد عاشت معظم مجتمعاتنا إرهاصات الانقلاب على مفهوم الديمقراطية ومحاولة إفسادها وتشويه معانيها، وصناعة مفاهيم ممسوخة الى حد تصنيع بدائل للآخر من خلال استنساخ احزاب وحركات هزيلة وإيهام الاهالي بكونها تمثل الرأي الآخر، كما كان يحصل في كثير من البلدان ذات النظم الشمولية ومنها بلادنا التي شهدت محاولات كثيرة في تصنيع او استنساخ او إحداث انشقاقات واجنحة في احزاب وحركات المعارضة والمقاومة طيلة ما يقرب من نصف قرن.

 

     وليس ببعيد عن ذاكرتنا العديد من الأشكال والتعريفات للديمقراطية التي كانت تستخدمها كثير من انظمة الحكم، خلال العقود الطويلة الماضية حيث تحولت دولنا ومجتمعاتنا الى مختبرات وحقول تجارب تم تنفيذها خلال قرن من الزمان، وراح ضحيتها مئات الآلاف من خيرة رجالنا ونسائنا منذ تأسيس هذه الدول ونشوء انظمتها السياسية اثر تقسيم منطقة الشرق الأوسط الى مناطق نفوذ بعد اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من حروب كونية، ولعل تسميات الشعبية والمركزية والاشتراكية وديمقراطيتنا على وزن اشتراكيتنا والعديد من التسميات والتوصيفات التي تشوه المبدأ الاساسي للديمقراطية وتبعدها عن جوهرها الاكاديمي والسياسي  في التداول السلمي للسلطة وقبول الآخر المختلف، كادت أن تفسد المعنى الحقيقي لهذا النهج وتشوه مقاصده.

 

    حتى إن البعض اعتقد انها هجمة غربية لتدمير مجتمعاتنا الشرقية المحافظة كما تشيع كثير من وسائل الاعلام التي تهيمن عليها او تمولها القوى القومية والدينية المتطرفة، بل ان الكثير من تلك القوى  استخدمتها كوسيلة للوصول الى السلطة ومن ثم الانقلاب او الاستحواذ على الحكم واقصاء الآخرين، وما حصل خلال السنوات الماضية بعد سقوط النظام  من عدم استقرار وارهاب يغطي معظم مساحة البلاد يعود الى نجاح تلك القوى في استخدام وسائل الديمقراطية للنفوذ الى اهم واخطر مفاصل الدولة في غياب تشريعات لتنظيم الحياة السياسية من خلال مجموعة قوانين وانظمة متطورة لتأسيس الاحزاب وتحريم الفكر الشوفيني والفاشي والتنظيمات على اسس عرقية او دينية او مذهبية، تمنع وصول أي فئة من هذه الفئات او التنظيمات الى مراكز القرار والحكم.

 

    إن أي تأخير في اصدار تشريعات واضحة ومحددة من اجل ذلك ستتيح الفرصة لتلك القوى على افساد المعنى الحقيقي للديمقراطية وتشويه مدلولاتها وأهدافها في تأسيس نظم اجتماعية وسياسية متطورة لبلاد اغرقتها ظلاميات الانظمة الدكتاتورية والعشائرية طيلة عشرات السنين، وتكريهها في ذاكرة وذهنية المجتمع والجيل الحاضر تحت مسميات التناقض الشرقي والقيمي في ما يتعلق بالعادات والتقاليد مع الديمقراطية على خلفية الإيهام بكونها نظام اوروبي لا يتوافق وسيكولوجية مجتمعاتنا وتركيبتها القيمية.

 

    ولعلنا نتذكر جيدا ونلمسه الآن كيف كان يتصرف النظام السابق على خلفيته الفكرية العنصرية وانتهازيته في التعامل مع الاديان والمذاهب بما يتوافق وميكافيليته المعروفة واستخدامه لتشويهات ومستنسخات من افكار وإيديولوجيات كالاشتراكية والديمقراطية والعلمانية بما يكرس كراهية هذه المصطلحات والافكار لدى العامة من الاهالي من خلال تطبيقاته المنحرفة والمشوه والفاسدة لها.

 

   kmkinfo@gmail.com

الأحد، 18 أبريل 2010

النساء والرجال

النساء والرجال.. شراكة أم استعباد؟

 

كفاح محمود كريم

 

 

    منذُ الأزل، ومع اختلاف نظريات التكوين في ما بينها، سواءٌ ما كان منها ديني أو من بنات أفكار البشر، لم تنتقص هذه النظريات من شأن النساء ودورهن كقطب من قطبين لا ثالث لهما في النشوء والتكوين، ربما تتجنى بعض التفسيرات للنصوص السماوية وتبتعد عن المعاني السامية لفلسفة الأديان في وصفها للمرأة ودورها في المجتمع، إلا أن ذلك لا يعني تماما إن الأديان قد حولت النساء إلى قطيع من العبيد؟

 

    إذن، دعونا نتفق أولا بأن هاذين القطبين كانا المؤسسين لمجتمعنا العاقل بصرف النظر عن أصول تكوينهما سواء كانا قردين أو حوتين على فكرة أخينا جارلس دارون غفر الله له ورحمه، أو كما جاء في كتبنا المقدسة إبتداءً من أبينا آدم وأمنا حواء وانتهاءً إلى ما آلت إليه الشراكة بين القطبين، وتحولت السيدة حواء إلى ( حرمة ) والسيد آدم إلى دكتاتور بغيض!.

 

    وسواء اتفقنا أم لم نتفق فقد اجتمعت معظم الأديان والفلسفات القديمة إن لم أقل جميعها على احترام المرأة وموقعها وتقديسها لدى الكثير من الشعوب في ميثولوجياتها الموروثة... ولكن؟

 

  ما الذي حول شريكة الحياة إلى ( حرمة ) أو ( عورة )؟

   هل هي النظم الاقتصادية وتداعياتها عبر الأزمان؟

   أم هي تلك المنظومة من العلاقات الاجتماعية التي أفرزتها ماكينة الاقتصاد وطبيعة البيئة والصحراء، التي كبلت الرجل وجعلته أكثر عبودية لغرائزه ومن ثم ذكورته؟

   هل كانت التفسيرات المزاجية والذاتية للنصوص الدينية التي تخدم في تأويلاتها مصالح الذكور سبباً في عبودية الرجل لذاته التي كونها من إلغاء ومصادرة بعض حقوق وإمتيازات شريكته؟

   أم هو المجتمع الزراعي والرعوي ومن ثم القبلي؟

   أم هو صراع سلطوي في الشراكة واتخاذ القرار؟

 

   مع كل هذه التساؤلات يبقى الرجل ( باعتقادي ) هو من يحتاج الحرية والتحرر لأن شريكته مسجونة في عبوديته، وعبوديته مجموعة متناقضة من أنماط السلوك والتصرف والادعاء وأمراض النرجسية والازدواجية.

 

    دعونا نتساءل بشفافية وقليل من الجرأة، ربما نتعرف أكثر على أوجاعنا التي لم نعد نحس بها ؟

 

    كم منا سمح ( لنسائه ) أن تفعل كما يريد هو أن يفعله بنساء الآخرين بصرف النظر عن النوايا ونوع السلوك؟

    كم منا أجاز ( لحريمه ) ترجمة أفكاره ( المخملية ) في التحرر والأنعتاق والمشاركة الفعلية في الأنشطة السياسية والثقافية والفنية بغض النظر عن توجهاته هو؟

    كم رجلٌ منا ( مهما كنا ) أحل لسجيناته حرية الاختيار دونما تأثير وضغوطات حتى  الإقناع؟

    من منا لا يتهم المرأة المتحررة بالفريسة السهلة والخفيفة؟

    كم من النساء قتلنا لمجرد علاقة أو دعاية أو وشاية لم تثبت كما جاء في القانون القرآني السامي ؟

    كم منا يعتقد بأن الشرف سلوك رجالي كما هو نسائي ؟

    كم منا يؤمن بأن الشرف صدق وأمانة وشجاعة وحرية لا مجرد أعضاء تناسلية فحسب ؟

    كم منا يرفض بصدق هذا النظام الاجتماعي في أسرته ويعمل فعلا على استبداله ؟

 

     إذن، التساؤلات كثيرة وربما تثير أوجاعنا التي تكلست، ولكن الإجابات على ما سبق مهما كانت فهي بالتأكيد لا تخضع للقياسات العامة التي تمنحنا استنتاجات لبناء بدائل أخرى في هذه الحقبة من الزمن، وعلى العموم فأننا أمام خيارين:

 

    إما أن يكون هذا النظام هو الأفضل لحد الآن على ضوء واقع الحال، حيث أن القطب الثاني ( يبدو والله أعلم ) راضيا عن هذه ( القسمة ).

    أو أننا إزاء ثورة اجتماعية كبرى تستدعي طاقات وتضحيات وأزمان ليست طبيعية مع عمليات تحديث واسعة لمناهج وفلسفة التربية والتعليم.

 

  وفي كل الأحوال علينا أن نتذكر دوما بأننا نعمل بأقل من نصف طاقاتنا وإحصائياتنا وأرباحنا، ونستهلك أكثر من كامل حجمنا نساءً ورجالاً وتلك معادلة خاسرة تماما؟

   وعلى ضوء ذلك لا زلتُ مصراً بأن الرجال هم أولى باسترجاع حقوقهم الإنسانية المحضة والتحرر من عبودية ألذات ( الأقوى ) وحينذاك ستكون ( الحريم ) حرائراً ولكن بعد حين.

 

kmkinfo@gmail.com