الجمعة، 6 مايو 2011

   العراق والانتخابات المبكرة؟

 

كفاح محمود كريم

 

     يبدو ان الأيام تتوالى ويتم استهلاك الزمن على نفقة الأهالي بينما الفعاليات السياسية ورموزها في بغداد ما زالت تتنافس على المناصب والامتيازات ومن يستحوذ على وزارات معينة تحت تسميات السيادية تارة والأمنية تارة أخرى، وهي بمجملها تظهر مدى فقدان الثقة بين الأطراف المتنافسة ومن ثم غياب مفهوم متفق عليه للمصالح العليا للبلاد وحدود محترمة من الجميع للمواطنة التي يفترض ان تعلو على مجمل الخلافات والانتماءات تحت خيمة النظام الجديد للعراق.

 

    وفي الوقت الذي نجحت مبادرة الرئيس بارزاني في دفع عجلة العملية السياسية الى الأمام وحسم الصراع بين الكتلتين الفائزتين ( دولة القانون والعراقية ) بانجاز حكومة شراكة وطنية، إلا ان الأحداث التالية وما يجري من صراعات خلف الكواليس يظهر البون الشاسع بين الطرفين، حيث تجري الآن محاولات العودة ثانية الى المربع الأول في المبادرة، رغم حجم الخلافات التي تتكثف في الفكر والرؤية أكثر منها الى المواقع، هذا من جانب ومن جانب آخر للمشهد السياسي برمته تدلل هذه الأوضاع على هشاشة التحالفات ونوعية المرشحين الذين تم إيصالهم الى مجلس النواب، ومن ثم اختيار أعضاء حكومة الشراكة الوطنية التي اعتمدت المراضاة على حساب النوعية بصرف النظر عن مؤهلات الوزير العلمية والميدانية والمهنية، حيث سارعت كل الجهات المشتركة في العملية السياسية الى ترشيحات اقل ما يقال عنها توصيفا انها تمثل المحسوبية والمنسوبية وعلاقة المرشح سواء الى مجلس النواب او الحكومة برئيس القائمة ومن يمثله ومدى تعاونه معه (!) وسقف تأثير  عشيرته وعلاقات شيوخها وأغواتها بالقائمة او رئيسها مما يخشى من إعادة البلاد ثانية الى النظام  العشائري المقيت الذي بدأ يتبلور في غياب او ضعف مؤسسات الدولة المدنية وسلطاتها الشرعية مقارنة مع نمو هذه التشكيلات وتأثيراتها من خلال ممثليها الذين حملتهم الى مجلس النواب او الحكومة.

 

     لقد أنتجت دولة الثمانين عاما التي سادها العرف العشائري والتقاليد القروية والبدوية ذلك النظام البائس الذي شهدنا انهياره وتقهقره ودمار البلاد والعباد تحت خيمته، وهي ذاتها أفرزت هذه الأوضاع الشاذة منذ ثمان سنوات عبر قنوات العشيرة والمذهب والمنطقة والعرق بعيدا عن مفهوم المواطنة والمصالح العليا للبلاد مما يدفع الآن الى إعادة النظر بالأوضاع السائدة إزاء هذه العقدة في الاتفاق على حكومة وطنية ومعارضة برلمانية ولأجل الخروج من هذه الأزمة يعتقد الكثير ان استقالة الحكومة الحالية وتأسيس حكومة انتقالية او تصريف اعمال من اجل إجراء انتخابات مبكرة خيارا مهما ربما يؤسس لمجلس نواب أفضل ويبلور قيام كتلة معارضة في البرلمان بعيدا عن مبدأ المشاركة المباشرة في الحكومة بل مشاركة في مراقبة عملها وتوجيهها بدلا من تآكل الزمن والفرص في تنافسات وصراعات على مواقع حكومية ومناصب هنا وهناك في الوقت الذي تكبر الفجوة بين تلك الحكومة او البرلمان وبين المواطن الذي تتفاقم أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والأمنية وتتقهقر الخدمات  الأساسية بينما تنشأ في المقابل طبقات فاسدة في وحول مفاصل مهمة من الحكومة والبرلمان والرئاسة.

الخميس، 28 أبريل 2011

لزكة جونسون

كرسي الإدارة ولصقة جونسون؟

 

كفاح محمود كريم

 

   بداية دعونا نتعرف على هذه ( اللاصقة ) دون ان نروج دعاية لمنتج طبي يعالج التشنجات في الجسم، وهي عبارة عن قطعة قماش أو نايلون مثقبة فيها مادة لاصقة، وبالتأكيد تحتوي على بعض الأدوية التي تعالج المناطق المتشنجة من العضلات بإلصاقها عليها لفترة معينة، وتعرف بأنها قوية الالتصاق الى الحد الذي يصعب إزالتها الا باستخدام التبخير او الماء الحار!؟

 

   وهناك ايضا مادة لاصقة اخرى يتندر بها العراقيون عموما ويستخدمونها لتوصيف الذين يبقون في أماكنهم أكثر مما يجب  فيطلقون عليهم تسمية السيكوتين، ويبدو أننا اليوم إزاء مشكلة أولئك الذين التصقوا بواسطة هاتين المادتين فوق كراسي او مكاتب الإدارات التي تولوها منذ سنوات مملة وطويلة حتى يخال المرء ان تلك المؤسسات إنما ورثوها من ذويهم حالها حال أي من الأموال المنقولة وغير المنقولة؟

 

   وفي الحالتين يتصرف هؤلاء الملصوقين بواسطة لزكة جونسون او بالسكوتين وكليهما من الصنف الانقلابي المشهور هنا في الشرق الأوسط، حيث يتحول البلد بأكمله الى ضيعة مملوكة للرئيس الضرورة، الذي يشع مواهبه وسلوكياته الى ادنى مستويات الإدارة، حيث يشعر الجميع في هيكل دولته وإداراتها بالسلطنة ويستمدون سلطانهم وقوتهم من الأخ الأكبر (Big Brother ) الذي تحدث عنه جورج اورويل* في روايته الشهيرة ( 1984)  منذ أكثر من نصف قرن.

 

   لقد ادمنت كثير من الإدارات العامة والعليا وحتى الصغيرة منها مواقعها حتى أصبحت ممالك صغيرة ضمن الدولة يتصرف فيها المدير او المسؤول وكأنه وارث الدولة في تلك المؤسسة، وربما كان ذلك مبررا ايام النظام السابق لشموليته رغم ان رئيسه كان لا يثق ببقاء أي مسؤول فترة طويلة في موقعه خوفا من تبلور أو تكلس مجاميع من الناس حوله ليؤسس شيئا يثير مخاوف النظام، الا ان ما يواجهنا اليوم وبعد اكثر من ثمان سنوات هو مواصلة الالتصاق السيكوتيني في كراسي الإدارات وبالذات ما دون كرسي الوزير او النائب، وما يترتب على ذلك من انتشار عنقودي للفساد المالي الذي طفح بشكل جعل العراق في مستويات لا يحسد عليها تحت سقف الفساد، في ظل إدارات نافست المياه الراكدة في تعفنها وانتشار رائحتها التي تزكم الأنوف؟

 

    ويبقى السؤال المهم هل ستنتج تسونامي الأنظمة المتعفنة فروعا لها حول هذه الإدارات الملصوقة بالكراسي وامتيازاتها، بما يحدث تغييرا شبيها او مقاربا لما حدث للأنظمة ورموزها الذين تساقطوا، وتزيح هذه المتكلسات في دوائر الدولة وغيرها من المؤسسات التي يعشش فيها مدراء ومسؤولين كبار وصغار نمت حولهم عناقيد من بكتريا الفساد ومجاميع من الانتهازيين والوصوليين الذين مسخوا تلك المراكز وحولوها الى إمارات وملكيات شخصية وتسببوا في تأخير نهوض البلاد وتقدمها وإضاعة فرص ذهبية للانتقال الى الضفاف الأخرى مع النخب الكفوءة والأصيلة على حساب الأكثرية من السكان؟

 

kmkinfo@gmail.com

 

* جورج أورويل: كاتب وروائي بريطاني اسمه الحقيقي إريك آرثر بلير، ولد في 1903 وتوفي في 1950م، وجورج أورويل هو الاسم المستعار له والذي اشتهر به ، ولد في قرية مونتهاري بولاية البنجاب الهندية لأسرة متوسطة الحال.

الأربعاء، 20 أبريل 2011

جاءك الموت يا تارك الصلاة؟

جاءك الموت يا تارك الصلاة؟

 

كفاح محمود كريم

 

   لم يدرك الدكتاتور العراقي السابق بأنه هناك قوة أعظم منه وأقوى وهو يسحق طيلة اربعين عاما كل من يعارضه او يختلف معه، وربما ايضا ان عنجهيته وضيق افقه جعله يعتقد ان لا آخر غيره وإن الطبيعة كما يقول تكون مساعدة للناس على الشر وفي الاعتراض عليه، رغم أنها آوته في جحر منها لعدة ايام او اشهر، فقرر بعد حادثة الدجيل التي اعدمته، إزالة كل تلك الغابات والبساتين الجميلة حول دجلة دون ان يعرف انها كانت بداية السقوط.

 

    وحينما أطلق بضع ثوار عدة اطلاقات على إحدى طائراته العمودية في أقصى جنوب العراق، قرر إزالة واحدة من أقدم مسطحات الماء في العالم وتجفيفها وتدمير مجتمعاتها وبيئتها الفريدة من نوعها بين المجتمعات الإنسانية تلك هي الاهوار العراقية، وربما كانت رأسه قد اصطدمت بجبال كردستان حينما فكر هو وابن عمه علي الكيمياوي إزالتها، وبذات ردة الفعل الهتلرية تصرف ازاء حلبجة وشقيقاتها من مدن كردستان حينما أمطرها بالغازات والأسلحة الكيمياوية، وقبلها فعل ما فعلته امريكا في فيتنام باستخدام اسلوب الأرض المحروقة، فقتل مئات الآلاف من سكان كردستان العراق ودمر ما يقرب من خمسة آلاف قرية جبلية بما فيها من حيوان وأشجار وينابيع مياه ودور عبادة ودراسة، وهجر اكثر من نصف مليون انسان من مكانه الى امكنة نائية وغريبة عن بيئته، حتى ضن ان لا رئيسا غيره ولا قوة الا قوته!؟

 

    ولقد شهدنا أخيرا نهايته المخزية ليس على كرسي المشنقة كما أراد ان يعوض في فعاليته، بل حينما عثروا عليه مختبئا في تلك الحفرة وأخرجوه بذلك الشكل المهين، وقد تذكرت هذه المشاهد وأنا أراقب إلقاء القبض على رئيس ساحل العاج في غرفة نومه بعد ان تسبب في مقتل الآلاف من الأهالي بسبب تشبثه بالسلطة وتوهمه بأنه القوة العظمى في بلده فانتهى خاسئا مهزوما الى زنزانته!؟

 

   وهكذا يستمر مسلسل كشف عارات هؤلاء الطغاة، فقد أزاحت العاصفة التي تضرب سواحل المتوسط والخليج الغطاء عن حقيقة من يحكم تلك البلدان الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر، حيث شهدنا هروب الرئيس زين العابدين حينما اختصر الطريق الى جده تاركا ملايينه الورقية والمعدنية في دواليب غرفة نومه وهرب، وظهر الآخرون على حقيقتهم الدموية كما نشاهدهم في زنقات ليبيا وميادين صنعاء ودرعا البطلة، حيث بدأوا بالوضوء قبل سكرات الموت بلحظات لتأدية الصلاة التي تركوها منذ استبدوا في حكمهم، وهم في مهب العاصفة يقارعون طوفانات من المنتفضين، لا تهمهم حمامات الدماء التي سيخلفونها في هروبهم او سقوطهم المشين، كما سقط رئيس ساحل العاج لوران غباغبو، تراهم يخطبون ويعلنون انهم سيصلحون ما أفسدوه في سنوات مجونهم السياسي كالذي يدركه الموت ويتذكر الصلاة، ولات حين مناص وصدق من قال:

 

جاءك الموت يا تارك الصلاة؟

 

kmkinfo@gmail.com

 

الأربعاء، 16 مارس 2011

العراق بين القدوة والعبرة؟

العراق بين القدوة والعبرة؟

 

كفاح محمود كريم

 

     في الوقت الذي يرى الكثير من المراقبين والمختصين إن انتفاضة كردستان والجنوب في ربيع 1991م كانت اختراقا كبيرا وفريدا لحاجز الخوف والرعب الذي فرضته الأنظمة الدموية طيلة ما يقرب من نصف قرن، ورغم اتفاق دول عاصفة الصحراء الضمني على إبقاء نظام صدام حسين في الحكم بشكل مشلول ومحاصر، فقد استطاع الشعب في كردستان العراق تأسيس نظامه السياسي البرلماني وأنجز مؤسساته الديمقراطية بعيدا عن استبداد ودكتاتورية النظام في بغداد، يرى آخرون من المتفائلين ان ما حصل في العراق قبل ثمان سنوات سيكون بداية النهاية للنظم الشمولية في المنطقة والعالم على خلفية تطور نظام الاتصالات والعولمة في السنوات الأخيرة والذي رفع الستار عن عورات النظم الاستبدادية وفعائلها المشينة بحق شعوبها، حيث لم يعد العالم المتحضر يتحمل دكتاتورا ينكل بشعبه ويبيد معارضته بشتى الأسلحة مع وجود وسائل الإعلام الفضائية وغيرها التي ساهمت بشكل فعال في كشف عورات هذه الأنظمة أمام العالم والإنسانية، خصوصا مع وجود قوى دولية عظمى مسنودة من قبل المنظمة الأممية ومجلس أمنها الذي يصدر قراراته او موافقاته على شن الحرب او الحصار على تلك الأنظمة أو ما يشبه ذلك مما يعجل في إسقاطها وإنهاء حكمها كما حصل هنا في نيسان 2003م.

 

    ومن جهة أخرى فما حصل بعيد الاحتلال وانهيار النظام وهروب رئيسه وقيادات حرسه وحزبه دق جرس الإنذار لكثير من تلك الأنظمة والشعوب، حيث سادت عمليات التخريب والحرق والتدمير والنهب والسلب للمال العام والذي أطلق عليها تسمية الحواسم، حيث أباح رئيس النظام لأعضاء حزبه وأجهزته الاستحواذ على الممتلكات العامة المنقولة ومن ثم اعتبارها ملكا لهم في حالة عدم عودته!، وما فعله سيئ الصيت برايمر في حله للجيش والإعلام والأوقاف والداخلية ومنظومات الامن الوطني التي تركت البلاد والمجتمعات في فوضى عارمة باستثناء إقليم كردستان العراق الذي كان يتمتع باستقلال ذاتي عن النظام، مما دفع معظم كوادر هذه المؤسسات إلى الانتقال مباشرة للخندق المقابل والمضاد للعملية السياسية التي بدأت في إحداث التغيير الديمقراطي وبناء دولة المؤسسات، سواء كان هذا الخندق مملوكا أو موجها من قبل القاعدة أو منظمات التطرف الديني او لمخابرات دول الجوار او بقايا تنظيمات حزب النظام الذي تشتت الى اجنحة وافخاذ مناطقية وقبلية ومذهبية ومخابراتية، مما سهل قيام دوامة العنف وإدامتها وإعاقة عمليات التحول والبناء.

 

    هذه التطورات التي افرزت حربا طائفية مقيتة وبلورت محاصصة انحدرت الى مستويات قبلية وفردية بعيدة عن فكرة المواطنة والتوافق بين المكونات المعمول بها في كثير من البلدان ذات التنوع العرقي والقومي والديني، وما رافق ذلك من فساد مالي واداري وتهافت على المناصب والامتيازات وضياع مبدأ المواطنة بين هذه التجاذبات وطوفان الانتهازية والتسلق على سلالم المحسوبية والمنسوبية، أحال عملية انهيار النظام وهروب قياداته وتداعيات البدائل الى بعبع ارعب كثير من شعوب المنطقة وقواها السياسية المعارضة التي كانت وما زالت تعاني من الاستبداد والدكتاتورية في انظمتها السياسية من أن تتحرك باتجاه التغيير، بل ودفع كثير من تلك الأنظمة الى التورط في الملف العراقي الداخلي درءً لمخاطر انتقال التجربة العراقية بجانبها الايجابي والمتطور اليها، وبالذات تلك التي تشابه العراق في تكوينها العرقي والقومي والديني والمذهبي.

 

    وربما تسببت هذه التخوفات وهذا التحسب لما يقرب من ثمان سنوات من عدم سماع أي صدى لها في المنطقة لفعل العراقيين منذ 2005م وما أنتجته انتخاباتهم الشهيرة في تكوين مجلس حقيقي للنواب ودستور دائم يضمن حقوق كل المكونات القومية والعرقية والدينية، ومن ثم تجاوز تلك الثقافة البائسة في حكم الفرد والحزب الواحد واعتماد حرية الرأي والتعبير وقبول الآخر المختلف وتأسيس دولة المؤسسات والمكونات حينما أدركت ان العراقيين تجاوزوا حاجز الخوف في انتفاضتهم الشهيرة وأسسوا لغد قادم يكون قدوة للآخرين كما يحصل الآن ومنذ انتفاضة تونس ومصر حيث تتجه العيون الى بغداد في السلب والايجاب، بل ويتداول المنتفضون ذات المصطلحات والمطالب في تقديم رموز انظمتهم الى محاكمة علنية والغاء أي دور لنظامهم السابق وما يتصل به من احزاب ومؤسسات ومنظمات وفكر متخلف، وتأسيس دستور دائم ومعاصر يضمن كل الحريات والحقوق والواجبات.

 

     لقد أكدت الأحداث في كل من تونس ومصر ان التجربة العراقية لم تغب عن بال المنتفضين رغم ما رافق تلك الانتفاضتين من خروقات حادة سواء من السلطات او من الغوغاء الذين اندسوا في صفوف المتظاهرين، فقد صرح اكثر من مسؤول في ميدان التحرير بالقاهرة ان العراق يبقى الدرس الكبير الذين تعلمنا منه الكثير فهو العبرة وهو القدوة ايضا!؟

 

kmkinfo@gmail.com

الجمعة، 18 فبراير 2011

من أجل كردستان أجمل

من أجل كردستان أجمل

 

كفاح محمود كريم

 

    يتزايد الحديث عن الفساد والإفساد في المال والإدارة في إقليم ما زال تحت التأسيس في بنيته التحتية والفوقية والوسطية، فهو منطقة تعرضت خلال عشرات السنين الى حروب عديدة وعمليات ابادة وحرق شامل للأرض وما عليها، راح ضحيتها الآلاف من القرى والمزارع والبساتين والمدارس والجوامع والكنائس، وتم تغييب أهاليها الذين اقترب عددهم من 182 ألف طفل وامرأة وشيخ، تم اكتشاف بعض مقابرهم الجماعية التي ضمتهم، بينما ما يزال آلاف مؤلفة أخرى مفقودة تماما، إضافة الى ما تركته تلك الحقبة السوداء من آثار بالغة على تكوين الفرد النفسي والاجتماعي سواء كان هذا الفرد مواطنا عاديا أم موظفا في الدولة ومؤسساتها.

 

    لن نتحدث عن كل تلك المآسي فهي تحتاج الى مجلدات، لكننا سننتقل الى ما بعد الانتفاضة العظيمة التي ارست الاستقلال الذاتي عن الدكتاتورية التي مارست ابشع انواع الحصار على تلك المنطقة مع حصار الأمم المتحدة الذي حول الإقليم الى مكان معزول تماما الا من الحرية التي تمتع بها الأهالي وذاقوا طعمها لأول مرة بعد عشرات السنين من الحكم الدكتاتوري المقيت، ودفعوا ثمنا باهظا من اجلها طيلة سنوات الصبر والمقاومة منذ ربيع 1991م وحتى سقوط النظام في نيسان 2003م.

 

     لقد رافقت عملية بناء الإقليم العديد من الصعوبات والتحديات الكبيرة منها الخارجية وضغوطاتها التي وصلت ذروتها الى منع وصول أي شيء يساعد او يكرس استقلال البلاد او استقرار وتطور أوضاعها، ومنها الداخلية التي وصلت هي الأخرى الى ذروتها في الحرب الأهلية وما نتج عن ذلك من مآسي وويلات وتخريب للاقتصاد المدمر اساسا، إضافة الى الحصار المزدوج من قبل نظام بغداد والأمم المتحدة ودول الجوار الذي ضيق الخناق على الأهالي وضاعف مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية، كما رافق تلك العملية ايضا العديد من الأخطاء والفساد في ظل الظروف التي ذكرناها، ونشأت طبقات طفيلية كثيرة كانت وما تزال أشبه بالعناقيد تستوطن هنا وهناك وتعيش على مظاهر المحسوبية والمنسوبية والصراعات الداخلية ابان عقد التسعينات من القرن الماضي مما خلق مجاميع من المرتزقة والانتهازيين استطاعوا بشكل او بآخر النفوذ الى بعض المواقع تحت خيمة المصالحة الوطنية او التنافس الحزبي مما اربك عملية البناء والتحديث التي يقودها ذات الثوار الذين انجزوا الجبهة الكردستانية في نهاية ثمانينات القرن الماضي وقادوا انتفاضة الربيع في آذار 1991م.

 

    لقد تم انجاز الكثير في طريق البناء وخاصة ما له علاقة بالبنية التحتية للإقليم وفي ما يتعلق بالتربية والتعليم والجامعات والمعاهد ومشاريع الماء والكهرباء والسكن والطرق والمواصلات وتنظيم المدن وتشريع القوانين وما يخص السلم والأمن الاجتماعيين قياسا بما تم تنفيذه خلال نفس الفترة في العراق عموما وبشهادة كل من زار الإقليم سواء من المسؤولين والمواطنين العراقيين او من الإخوة والأصدقاء القادمين من بلاد أخرى، ومع وجود كل التناقضات والأخطاء ايضا التي رافقت عملية البناء والاعمار والتحديث بشكل عام على مستوى الإقليم، الا ان ما تم انجازه ربما يتجاوز كل ما انجزته الدولة العراقية منذ تأسيسها وحتى سقوط نظامها السياسي في نيسان 2003م للمنطقة. 

 

       لقد دعا رئيس الاقليم بشكل شفاف كافة الأحزاب والكتل والأفراد والصحافة والإعلام الى تشخيص مكامن الفساد ومراكزه ورموزه بشكل دقيق وموثق وشجاع من اجل كردستان افضل واجمل واطهر، بشكل يعكس التطور الحضاري للإقليم وممارساته الدستورية تحت قبة البرلمان ومؤسسات الدولة وقوانينها.

 

      انها عملية ليست هينة ولا تقتصر على اشخاص بذاتهم في سلم المسؤولية بل هي عمل جمعي وموقف وطني يتطلب مصارحة القيادة ومؤسساتها في السلطات الثلاث بشكل واضح وشجاع تلبية لدعوة الرئيس مسعود بارزاني في اقليم تأسس بانتفاضة عظيمة كانت الأولى من نوعها في المنطقة ضد اكبر الدكتاتوريات في العالم، وقد انتجت تلك الانتفاضة حكم الشعب لنفسه في اول انتخابات عامة حرة ونزيهة افرزت مؤسسات كردستان التشريعية والتنفيذية والقضائية التي صاغت قوانينها وتشريعاتها تحت قبة البرلمان من خلال اعضاء تم انتخابهم بشكل حر ومباشر من الشعب لأول مرة في تاريخ البلاد.

 

    ان الاجتماعات الأخيرة لأحزاب كردستان وفعالياتها السياسية ممن هي في الحكم او في المعارضة بدعوة من رئيس الاقليم لمناقشة اوضاع البلاد وما يجري حولها ودعوة البارزاني للجميع في التعاون من اجل محاربة الفساد والقضاء على مكامنه انما تأتي لإشراك كل الأهالي وممثليهم في الأحزاب السياسية والمؤسسات الصحفية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني بالعمل من اجل ذات الأهداف التي يعمل لها الجميع حتى تكون كردستاننا الأفضل والأجمل والأطهر،  فشعب كردستان الذي انتفض قبل ما يقرب من عقدين من الزمان وأسس حكمه ونظامه الديمقراطي الدستوري، سينجح اليوم من خلال تلك المؤسسات في تطوير وتحديث وتطهير تلك المفاصل التي طالتها فايروسات الفساد من اجل وطن أجمل نفتخر به ونفاخر.

 

kmkinfo@gmail.com   

الاثنين، 7 فبراير 2011

كردستان وليدة الشرعية الديمقراطية

كردستان وليدة الشرعية الديمقراطية

 

كفاح محمود كريم

 

    أثار البيان الذي اعلنته جماعة التغيير في اقليم كردستان تساؤلات كثيرة ربما في مقدمتها هل ستأخذ كردستان تسلسلا في قائمة الدول التي تتعرض لانتفاضات شعبية مصحوبة بالفوضى والتخريب، متناسية ان الوضع في كردستان لم يكن حصيلة انقلاب عسكري او استحواذ على السلطات، بل ان الاقليم كيان فيدرالي يتمتع بنظام حكم ديمقراطي منتخب بشكل مباشر وحر من قبل الأهالي المؤيدين والمعارضين، وربما هناك الكثير من تلك التساؤلات ولكن يبقى السؤال الأهم لماذا هذا البيان وما الغاية منه في مثل هذه الظروف، خصوصا اذا ما علمنا ان السلطات الثلاث لم تأت بانقلاب عسكري او تسلط انفرادي دونما دور للآخرين ومن ضمنهم أصحاب البيان الذين شاركوا بشكل فعال في كل الأحداث منذ أولى ساعات الانتفاضة في ربيع 1991م وحتى يومنا هذه سواء كانت تلك الأحداث مما يعتز ويفتخر بها المواطن او يأسف لها ويخجل من ذكراها!؟

 

    وبعيدا عن التاريخ والجغرافيا وكيف ومتى واين، وصولا الى الحال بعد سنوات طوال في اول ربيع 1991م حينما بدأ الزمن يسجل ولادة كيان وملاذ للسلم والامان، تعبقه ارادة السكان ومن يمثلهم بعيدا عن السطوة والتسلط والنفوذ، حيث اختار الثوار والاهالي معا قانون الديمقراطية وقبول الآخر لحياة جديدة في الاقليم، ومن أجل ذلك كانت اول انتخابات حرة شفافة على هذا الجزء من دولة العراق بعيدا عن الدكتاتورية والاستبداد وذلك منتصف عام 1992م، ومنها انبثق اول برلمان كردستاني مثلت فيه جميع طوائف وفعاليات ومكونات الاقليم كل حسب استحقاقه الانتخابي بشهادة دولية معروفة آنذاك، لتنطلق أول حكومة كردستانية يمنحها البرلمان ثقته لتقود الإقليم الى آفاق التقدم والازدهار.

 

    لم تكن التجربة سهلة خصوصا اذا ما علمنا الإرث الثقيل من تراكم التخلف في كل مناحي الحياة في المدن والأرياف، بعد ان حطمت الحروب طيلة عقود من الزمان البنية التحتية للمنطقة تماما، فقد كانت المنطقة محاصرة بشكل مزدوج من قبل الأمم المتحدة والنظام العراقي بعد غزو الكويت، وتعرضت الى ضغوط هائلة من مختلف دول الجوار حتى ادت الى نشوب الحرب الأهلية التي كادت ان تدمر البلاد برمتها، لولا نداء العقل والروح الوطنية لدى كل المتخاصمين الذين ايقنوا ان مركبهم ان غرق فانهم سيغرقون جميعا دون استثناء، ففي كل هذه الأحداث صغيرها وكبيرها كانت كل الأطراف تشترك كل حسب حجمه وتأثيره سلبا او ايجابا بما فيهم اصحاب البيان الذي يدعو الى استقالة الحكومة والبرلمان الذي يتمتعون فيه بعدد غير قليل من الكراسي المؤثرة.

 

   لقد نجحت كل الأحزاب والحركات السياسية في انجاز السلام الاجتماعي والامن الداخلي من خلال توافقها ونضالها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وهيأت نفسها واقليمها للدخول الى حقبة ما بعد صدام حسين، وقيام الدولة العراقية الاتحادية الديمقراطية التعددية، لتساهم بشكل جدي ومؤثر في حياة العراق السياسية والاقتصادية الذي ابعدت عنه لعقود طويلة، ولكي تنجح في توحيد الإدارتين في إدارة واحدة اندمجت فيها وما زالت تندمج كل المؤسسات والوزارات وخاصة المؤسسة العسكرية والأمنية.

 

    واليوم وبعد ان افرزت الانتخابات الاخيرة في الاقليم هذا البرلمان الذي تستحوذ فيه المعارضة التي تتبلور الآن، على أكثر من ثلث المقاعد بما فيهم جماعة التغيير التي حققت بفضل نجاح التجربة الديمقراطية انتصارت مهمة جدا في الانتخابات التي وصفها المراقبون الدوليون بانها واحدة من الانتخابات النظيفة ضمن قياسات دولية واوربية متداولة، وهي بالتالي أي هذه الجماعة وغيرها من الفعاليات الكردستانية اشتركت وساهمت في كل عمليات النجاح والتقدم التي حصلت في الاقليم وفي ذات الوقت لها حصتها ايضا من التلكؤ والاخطاء والفساد والافساد اينما كان ومهما كان وحسب حجمها وتأثيرها.

 

    ان مؤسسات الاقليم كما قلت ويعرف الجميع لم تأت بانقلاب كولينيالي او بأجندة اجنبية، بل جاءت نتيجة مخاض جماهيري في عملية تحول من شرعية الثورة الى الشرعية القانونية والدستورية اشتركت فيها كل الاحزاب والحركات الوطنية الكردستانية، وساهمت بكل ما جرى من احداث وتطورات منذ انتفاضة الربيع عام 1991م ولحد يومنا هذا، سواء ما كان منها ايجابيا او سلبيا، وليس هناك عنصر واحد من خطوط المسؤولين المتقدمين في الدولة اعتبارا من رئيس الاقليم ونزولا الى رؤساء الوحدات الادارية والحزبية لم يمتد تاريخه النضالي الى سنوات طويلة في القتال من اجل حرية ومستقبل كردستان، كما انه لا احد ينكر وجود فساد في المال والادارة، ولا احد يتعالى على نقاط الخلل والاخطاء او ينكرها هنا وهناك، ويكذب من يدعي ايضا اننا واحة سويسرية او اوربية كما يحاول بعض المتفائلين جدا ان يخلطوا بين الحلم والحقيقة، كما انه ليس هناك عاقل يستطيع ان يقول اننا انجزنا شعار الانسان المناسب في المكان المناسب، او يدعي بعدم شيوع المنسوبية والمحسوبية والعشائرية في نظامنا الاجتماعي والسياسي، او ان نظامنا الاداري او المالي او الاقتصادي او حتى الاجتماعي خال من عيوب كثيرة ربما تصل في بعضها الى الجرم الخارق للقانون؟

 

    لكننا في ذات الوقت انجزنا انتخابات عامة تميزت بالايجابية والشفافية العالية حسب توصيفها من قبل معظم المراقبين الدوليين، واولهم الهيئة المستقلة للانتخابات العراقية وممثلي الاتحاد الاوربي والامم المتحدة والجامعة العربية، رغم ما حصل من خروقات هنا وهناك، الا انها كانت في حدود قياساتها الدولية في افضل بلدان العالم ديمقراطية، هذه الانتخابات انتجت برلمانا شرعيا ضم لأول مرة اعداد ليست قليلة ومهمة جدا من المعارضين للحزبين الرئيسيين، ومن ثم انجزت كابينة حكومية نالت ثقة غالبية اعضاء البرلمان واعترض عليها من اعترض ايضا، وفي نفس السياق تم انتخاب رئيس الاقليم من عدة مرشحين ونال السيد بارزاني ما يقرب من 70% من اصوات الناخبين، لقد انجزنا جميعا خلال عقد من الزمان فقط ما لم تنجزه الدولة العراقية منذ تأسيسها في اوائل القرن الماضي وحتى سقوطها في نيسان 2003م من مشاريع وطرق وجامعات ومدارس واعمار مدن وقرى وتحديث للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 

    اذن مؤسسات اقليم كردستان لم تكن مصنوعة في دهاليز الحزب الواحد او ان رئيسها قاد انقلاب عسكري ليأتي الى قصر الرئاسة، وكذا حال حكومتها وكثير من المؤسسات الاخرى، فهي نتاج شرعية قانونية فرضتها نتائج الانتخابات العامة الأخيرة وهي بالتالي اتفاق بين كل الكتل والأحزاب والمكونات ومن ثم فهي تعكس اختيارات الاهالي في الاستفتاء الأخير، ولذلك لا اعتقد ان هناك أي فرصة لنجاح تمرد خارج عن القانون والدستور، فشعب كردستان يدرك جيدا إن كل ما موجود في الاقليم من برلمان وحكومة وقضاء وصحافة واعلام واجهزة امنية وعسكرية انما جاءت وليدة نضال دؤوب اشتركت وساهمت فيه كل القوى العاملة اليوم دون استثناء وكل حسب حجمه وقوته من اجل ذات الهدف التاريخي الوطني والقومي، ومن ثم فهي وليدة تجربة ديمقراطية امتدت منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي، وتمثل عصارة نضال هذا الشعب طيلة تاريخه المعاصر، في كل اجزاء الوطن وتمثل بحق أمل الشعب الكردستاني برمته، انها ليست ملك فرد ما او حزب بعينه او طبقة محددة بل هو ملك كل الأمة شبابا وشيبا نساءً ورجالا، وان كان هناك إخفاق ما او نجاح معين او رأي مختلف فقراءته وتقييمه إنما يكون تحت قبة البرلمان وعلى سلم القانون والدستور، وكل هذه المؤسسات هي المرجع والمحك وغيرها يرفضه الشارع ويعتبره خروجا عن الشرعية وانتهاكا لتقاليد النضال المشترك من اجل ذات الأهداف المقدسة.

 

    كردستان وليدة شرعية ديمقراطية، ومؤسساتها الرئاسية والبرلمانية والحكومية بكل أشكالها نتاج تجربة دستورية وقانونية اشتركت فيها كل الأطراف المؤيدة والمعارضة، وهي تمثل عصارة نضال أجيال من الفلاحين والعمال وكل طبقات المجتمع ومكوناته العرقية والدينية والمذهبية، وهي بالتالي حلم الملايين من ابناء هذا الشعب عبر التاريخ وحري على الجميع احترام هذا الانجاز والاعتزاز به والعمل من اجل تطويره وتقليل مساحة الخلل والفساد من خلال الآليات المعمول بها في كل الديمقراطيات الحقيقية في العالم للوصول الى الهدف المرتجى لدى كل القوى بما فيها المعارضة التي تبلور واقعا جديدا نفتخر به جميعا لو نجحت في انجاز معارضة وطنية تخدم وتعمل من اجل المصالح العليا لشعب اقليم كردستان ومنجزاته التاريخية.

 

kmkinfo@gmail.com

 

السبت، 29 يناير 2011

الاتقاد الادمي وسقوط الجبابرة؟

الاتقاد الآدمي وسقوط الجبابرة؟

 

كفاح محمود كريم

 

   ربما لا ينظر البعض الى ما يحصل اليوم من عمليات الاحتراق التي يقوم بها مناوئين ومعارضين للأنظمة الشمولية، كونها تقع في باب الانتحار الذي عرفنا له معان كثيرة تتكثف في معظمها حول اليأس والإحباط الذاتي المتأتي من إشكالات شخصية سواء كانت مادية او اجتماعية كقضايا الشرف والإفلاس والخيانة، ومنهم احد الباحثين في معهد الأبحاث والدراسات حول العالمين العربي والإسلامي وهو الباحث ميكائيل عياري:

 

  ( إن هذه السلسلة من الانتحار حرقا علامة على مأزق سياسي وفراغ فكري، وتكشف أيضا الخلل الذي تعاني منه المجتمعات العربية ).

ويضيف الباحث على الصعيد الرمزي:

  ( النار تدمر وتبني، تميت وتحيي، على صورة طائر الفينيق الذي يبعث من رماده... وقد تمثل هذه الظاهرة أيضا حالة من التجدد السياسي: أحرق نفسي وأدمر الذين يدمروننا ).

 

    دعونا نعود قليلا الى الوراء مع اولئك الذين احرقوا انفسهم احتجاجا على عملية اعتقال الزعيم الكردي عبدالله اوجلان من قبل مجموعة من اجهزة المخابرات الدولية بالتعاون مع العسكر التركي في تسعينات القرن الماضي، والتي اثارت ضجة كبيرة في الشارع الأوربي عموما، وهي واحدة من اكثر ردود الأفعال مقاومة من مجموعات من الشباب العزل امام جبروت وطغيان الاستبداد والظلم.  

 

    انها ليست عملية انتحار نتيجة يأس او عجز او مرض، ولا هي عملية ايذاء للآخرين كما يفعل انتحاريو القاعدة وغيرها في قتل اكبر عدد ممكن من البشر بصرف النظر عمن تستهدفه عملية الانتحار من الأبرياء اطفالا كانوا أم نساء، بل هي واحدة من أكثر وسائل التعبير قساوة على الذات في كراهية النظام والطغاة، حينما يقرر صاحبها حرق جسده ليترجم مشاعره استنكارا لحكم هؤلاء الجبابرة، وصرخة معبقة بألم الموت احتراقا من اجل إيصال الفكرة وإثارة الرأي العام والجمهور لكي يتحرك باتجاه ذات الهدف متوخيا أن لا يؤذي من حوله بأي شكل من الأشكال وكائن من يكون.

 

    لقد أشعل الشاب التونسي ( محمد بو عزيزي ) شرارة الثورة باحراقه لجسده لتنتقل صرخاته المليئة بالرفض والمقاومة والمعبقة بألم الظلم والاستبداد الى كل شارع وحارة ومدينة وقرية، حتى ضاقت تونس الخضراء وجبروت حكامها، أمام رئيسها الذي ولى هاربا لكي لا يسمع مزيدا من تلك الصرخات التي ستحرقه هو الآخر!

 

    وخلال ايام قليلة انتشرت نيران الاتقاد الآدمي في كل من مصر والجزائر والعديد من الدول التي يتعرض اهاليها الى القهر فقرا او عبودية، فقد توفي الشاب الذي احرق نفسه في الاسكندرية قبل عدة ايام، وكان هذا الشاب عاطلا عن العمل وقد صعد الى سطح منزله في حي المنتزة (شرق الاسكندرية) واضرم النيران في نفسه، بينما اضرم مصريان اخران النار في جسديهما خلال الثماني والاربعين ساعة الاخيرة كما تمت السيطرة على شخص ثالث قبل ان يشعل النيران في نفسه.

 

ولم تقتصر عملية الاحراق على شباب في منتصف العشرينات او الثلاثينات كما جرت العادة لدى كثير من الانتحاريين، فقد أضرم محامي يدعى محمد فاروق في الأربعينات من عمره، النار في نفسه امام مقر مجلس الوزراء في القاهرة ونقل الى المستشفى مصابا بحروق خفيفة، لكنها أي تلك الحروق طالت مئات الآلاف لكي تحرك الشارع المصري الذي يلتهب الآن؟

 

    وفي معظم هذه العمليات يشعر صاحبها بمهانة كبيرة تنتقص من ادميته وكرامته مما يدفعه الى الاحتجاج باقسى انواعه دون المساس بالآخرين، فقد أضرم رجل خمسيني النار في جسده امام مقر مجلس الشعب المصري بعيد انتفاضة تونس بعدة ايام قائلا للمحقق وهو يلفظ انفاسه الأخيرة انهم يهينوننا امام اطفالنا واسرنا اثناء سعينا للحصول على حصة اسرنا من الخبز المدعوم؟، ولم تقتصر عملية اضرام النيران في الاجساد على تونس ومصر، ففي الجزائر حاول خمسة اشخاص انهاء حياتهم باضرام النار في انفسهم خلال الايام الاخيرة، وفي موريتانيا اضرم رجل النار في نفسه بالقرب من رئاسة الجمهورية، في صرخة مدوية مغطاة باللهيب يتعالى فيها الألم والرفض لكل مظاهر الاستبداد والظلم الحكومي للشعب.

 

     وعودة الى موضوع الانتحار بالنار فهو عارض من أعراض القلق الاجتماعي – الاقتصادي والسياسي والفكري ولا توجد له خلفية دينية، فالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية هي التي تتصدر الاهتمامات وليس الجانب الديني. والأزهر لم يتردد في التذكير بأن الانتحار محرم في الإسلام، كما أن ظاهرة الانتحار حرقا ليست من العادات الشائعة والرائجة في المجتمعات الشرقية عموما. ومن المرجح أن محمد البوعزيزي حين أشعل النار في جسده بمدينته النائية (سيدي بوزيد) لم يتصور أنه سيجسد المصاعب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لشرائح واسعة من الشعب العربي ويتحول إلى هذا الرمز الكبير.

 

     لقد كشفت الأحداث الأخيرة الكم الهائل والعميق من مشاعر الكراهية والاشمئزاز تجاه الأنظمة المستبدة وجبابرتها المنفردين بالسلطة والمال والنفوذ، ومن نرجسيتهم المتعفنة التي أوصلت هذه المجاميع الى درجة الاتقاد رغم ما تردده كل وسائل الإعلام من تمجيد وتجميل لتلك الأنظمة ورموزها، هذه المشاعر المليئة بالحزن والألم والاعتراض والقهر تمثل مزاج الشعوب الحقيقي حينما يقرر ابناؤها إيقاد أجسادهم حرقا بكل ما في ذلك من الم وعذاب دون التفكير بإيذاء احد نتيجة تلك العملية إلا استثارة الرأي العام وتحريكه باتجاه الانتفاضة ضد الاستبداد والطغيان ورفض ذلك النمط المذل من الحياة، رفضا ومقاومة لتلك الأنظمة الفاسدة ورموزها التي انتهكت حقوق البشر والحضارة في اسلوب حكمها وإدارتها للبلاد وتشبثها بكراسي السلطة والنفوذ واستحواذها على مصادر المال العام بعيدا عن القانون والعدالة الاجتماعية.   

 

kmkinfo@gmail.com